وقد طبق ذلك أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم تطبيقا واقعيا، فكان {منهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر وما بدلوا تبديلا} ، حتى لقوا ربهم فرضي عنهم وأرضاهم، حتى قال قائلهم وهو فرح بدمائه يشاهدها: (فزت ورب الكعبة) .
ولا تزال الصور تتكرر، ولا يزال التاريخ يعيد نفسه، فتمضي أجيال الصادقين جيلا بعد جيل، وتمر قوافل الشهداء واحدة تلو الأخرى، لتبني مجد الإسلام وعزه، فأما الأعناق فلتدق، وأما الدماء فلترق، وليبقى الإسلام دينا ظاهرا على عدوه ولو تداعت عليه الأمم، وتوالت عليه من الطواغيت النقم.
وعود على بدء أقول:
لقد فاز من فاز بالجنة ولو فاته حطام الدنيا، يقول الحق تبارك وتعالى: {ولئن قتلتم في سبيل الله أو متم لمغفرة من الله ورحمة خير مما يجمعون} ، فالدنيا فانية والآخرة باقية، ومن باع الفاني بالباقي ما خسر.
ومما يلائم ما ذكرناه أن نسرد قصة شابين من خيرة المجاهدين الذين عايشناهم في الشيشان والذين صدقوا - كما نحسبهم - في نصرة الله ونصرة دينه، فضحوا بالغالي والنفيس لينالوا رضوان الله ورحمته، وليفوزوا ويضفروا بجنته.
فبدؤوا بأهاليهم؛ ففارقوهم وما أصعب الفراق! وبأموالهم ومتاعهم؛ فتخلوا عنها، وما أشد هذا التخلي! وبدراستهم الجامعية؛ فتركوها ليلحقوا بجامعة الجهاد وينالوا الشهادة الحقيقية في هذه الجامعة الفريدة - إن شاء الله - مع شدة جهده وبلائها.
لولا المشقة لساد الناس كلهم الجود يفقر والإقدام قتال
-فأبو سمية البدري - تركي العريدي - ماذا عساني أن أقول عنه؟!
فليت شعري ما أندر الشباب من أمثاله شاب وديع، ذو خلق بديع، أدب بسماحة، وصدق بصراحة، لين الجانب ذو رأي صائب يغلب عليه طابع خفة الروح وحلاوة الدعابة، فلله كم أدخل السرور على قلوب إخوانه في أوقات عظيمة البلاء، وأفرهم وأسعدهم في أيام شديدة العناء.
لقد أحب المجاهدون أخاهم أبا سمية رحمه الله حبا صادقا، كيف لا؟! وقد كان بالمرة على قلوب إخوانه طارقا، ترك الحياة من خلفه تتزخرف، لم يأبه لها ولم يهتم بها.