تركها ومضى في طريق الجهاد إلى البوسنة، وكانت أول خطوة له لا يلوي على هذه الدنيا التي أسقطت في شراكها كثيرا من العباد فأضلتهم عن صراط الله المستقيم.
فلتهنئ يا أبا سمية قتلة شريفة، نسأل الله أن تكون في سبيله صادقا، ومخلصا محتسبا مقبل غير مدبر، فهي قتلة الشرفاء، وفوز الشهداء.
فليس ينسى إخوانك ذلك اليوم الذي كنت فيه أميرا لهم، حين كان إخوانك يستعدون لعملية على أعداء الله، ليعذبهم الله بأيديكم ويخزهم وينصركم عليهم ويشفي صدور قوم مؤمنين ويذهب غيظ قلوبهم، فقمت حين طلبك الأمير من بين إخوانك وحيدا لخوض المعركة الخطيرة التي لم يكن لها تخطيط مسبق غير أن الله وفقكم فيها توفيقا عظيما، بدءا بمقتل أكثر من خمسين كافرا من القوات الروسية الخاصة وانتهاء بنيلك الفلاح والفوز العظيم - إن شاء الله - بالشهادة العلية والجنان المرضية.
لقد نهض أبو سمية فرحا لهذه العملية التي هي عبارة عن كمين ضد قافلة بالقوات الروسية في طريق منطقة"كرتشلوي"الجبلية، وقد كان أبو سمية رحمه الله حينئذ كالمتوقع للشهادة - كما هي حال أغلب الشهداء الذين يرزقهم في آخر أيامهم تغيرا عجيبا ملحوظا، وكأن الله يطلعهم على قرب وصولهم إلى رحمة الله وجنته -
فقام من صباح ذلك اليوم مبكرا، فأصلح مقر المجاهدين ترتيبا وتنظيفا، ثم نظف سلاحه، ثم عكف على كتاب الله تلاوة وتدبرا - وقد كان هذا دينه آخر أيام حياته - ثم صلى الظهر والعصر مع إخوانه فجاءه أمر الأمير بالخروج إلى هذه العملية بمفرده دون إخوانه، ففرح فرحا شديدا، ثم ودع إخوانه وداعا حارًا وكأنه على موعد للقاء ربه تبارك وتعالى، ثم قبل رؤوس إخوانه، فخاطبه أحد إخوانه قائلا: لم كل هذا الوداع وسوف تعود قريبا؟! وكان قد ظن أنه ذاهب للترصد على العدو، فقال له أبو سمية: (وما يدريك لعلها الشهادة، ولعلي لا أراكم مرة أخرى) ، - أو كلمة قريبة نحوها - وكان قد كتب وصيته قبلها بيوم أو يومين.
ثم انطلق إلى مكان العملية على القافلة التي اقتربت جدا من المكان، وما ان وصلت إلا وتطايرت عليها القذائف"الآر بي جي"من كل صوب، وأمطرت بوابل الرصاص من المجاهدين وتعالت صيحات التكبير من أفواههم، وحمي الوطيس واشتدت المعركة وتساقطت أعداد كبيرة من قتلى القوات الروسية، فبدأت الآليات الروسية تقصف المكان قصفا جنونيا، أصيب على إثره أبو سمية إصابة في رأسه ووجهه، حتى مضى إلى جوار ربه وسلاحه لم يسقط من يده.