عاد البطل إلى إخوته وقال لهم في موقف الثابت التواق إلى الحور وضرب النحور: نحن ما أتينا إلى هنا للجلوس في المضافات، وإني ذاهبٌ إلى كابل فمشاركٌ إخوتيَ الجلادَ والنزال .. ومضى ..
ومضى كأن الأرض لم يولد بها ... أبدًا ولم يعرف له رفقاءَ
وصل متعب - تقبله الله - إلى كابل، ومنذ وصوله نزل إلى الخنادق ونسي المضافات والفنادق، برزت شجاعته وبسالته الفائقة في المعارك العسكرية، ومع قوته وجلده كان هينًا لينا على إخوته، نقاءُ سريرةٍ وصفاءُ نفس، وكأني به يتمثلُ قوله تعالى {فسوف يأتي الله بقومٍ يحبهم ويحبونه أذلةٍ على المؤمنين أعزةٍ على الكافرين يجاهدون في سبيل الله ولا يخافون لومة لائم} .
كان خدومًا لإخوته، و (سيدُ القومِ خادمهم) ، وكان نسيجَ وحده في الصبرِ والمصابرةِ على الأذى واحتمال المشاق، فتارةً تراه في المطبخ، وتارةً تراه في المستشفى ينقذ ويسعف ويساعد، وتارةً محتضنًا رشاشة يرسل الموتَ إلى نحور الأعداء .. همةٌ وجَلَدْ ... وصبرٌ متواصل، كل هذا في تواضعٍ كبير من رجلٍ كبير ..
دنوتَ تواضعًا وسموتَ مجدًا فشأناك انخفاضٌ وارتفاعُ
كذاك الشمسُ تَبْعُدُ أنْ تُسامَى ... ويدنو الضوءُ منها والشُعاعُ
إن بعض الشباب يحب أن يذهب للجبهات محفولًا مكفولًا، يريد الطريقَ معبدةً نظيفةً خاليةً من الأشواك، رشاشٌ في يده، وخندقٌ محفور، وعدوٌ يضربُه [1] ، ولكن متعب رحمه الله لم يفهم الجهاد هذا الفهم، فالجهاد - بكل متطلباته وأعبائه - كان مشروعه المفضّل لنصرة دين الله عز وجل ودفع الضيم والأذى عن إخوانه المسلمين، فهو إن كان في الساقةِ كان في الساقة، وإن كان في الحراسة كان في الحراسة، موقنٌ بصحة المنهج وسلامة الطريق، مطيعٌ لأميره لا يحيد عن تنفيذ أمره، فتقبله الله وأعلى في الخالدين ذِكْرَه.
وكان رحمه الله فريدًا في صبره وخدمته لإخوانه، فقد كان لا يطبخ لهم غيره، وكان يصبر على نقل الجرحى ومباشرة إسعافهم ويصبر على رؤية الجراح ومعالجتها أشد الصبر فلله دره ..
(1) أو كما قال خطاب رحمه الله: جهاد بشقة مفروشة!!