ومع هذا كله، فقد كان شغله في نحر الأعداء وفي خدمة إخوانه لا يشغله ولا يلهيه عن طاعة ربه وعبادته، فقد كان يقرأ القرآن في فترة الصباح لساعاتٍ طويلة فرحمه الله، يصدق فيه وفي إخوانه من المجاهدين الغرباء:
عُبّادُ ليلٍ إذا جنّ الظلامُ بهمْ ... كم عابٍدٍ دمعهُ في الخد أجراهُ
وأُسدُ غابٍ إذا نادى الجهادُ بهم ... هَبّوا إلى الموت يَسْتَجْدُونَ لقياهُ
وقبيل الحرب الصليبية على أفغانستان، تحركت في نفس البطل أشواقٌ إلى جزيرة العرب، إلى موطن الرجال الأحرار، غيرَ أن الكريم الحر إذا تنسّم عبير العزة فأنّى له السكوت على الضيم، وهذي أرضه قد دنستها أقدام أبناء القردة والخنازير، فهيهات القعود عنهم، هيهات ... هيهات.
جمع بعض إخوته في إحدى الليالي، وهناك تم العقد بينهم وبين خلّاقهم، عقدٌ لا إقالة فيه ولا استقالة، (ربح البيع، والله لا نقيل ولا نستقيل) ، أحس الأحرار بالواجب الملقى على عواتقهم والمتمثل بتخليص الجزيرة العربية من النصارى والمرتدين يطأون ترابها وينامون تحت سمائها ..
غير أن الحملة الصليبية العاشرة بدأت جحافلها تتجه نحو مقبرة الأقوياء، نحو أفغانستان، فشُغُلَ بها الأبطال وقالوا: نزال، فمنهم من أُسِرْ، ومنهم من بُتِرْ، وما بدّلوا تبديلا ...
بحث شباب الإسلام في النازلة، وإذا الطائرات التي قتلت الأطفال ورمّلت النساء وشرّدتِ الأسرَ تنطلق من أرضهم، ومن جزيرة نبيهم، فتجدد العقد، وانبعث الشوق القديم ..
وذو الشوقِ القديمِ وإن تعزىّ مشوقٌ حين يلقى العاشقينا
نزل الشباب المجاهد الجزيرة، ومنذ اليوم الأول بدأ متعب رحمه الله في إعداد القوة لأعداء الله، فكان رحمه الله يجهز إخوانه بالأسلحة ويمدهم بها ويقوم بنقلها بنفسه، حتى أن أحد الإخوان يخبرني أن متعب رحمه الله يقول: منذ عودتي من أفغانستان لم أبتْ في بيت أهلي ليلةً واحدة، حتى أن والده العم: محمد بن صالح المحيّاني [1] أراد أن يحتفل بعودته سالمًا من أرض أفغانستان فلم يستطع!! حتى أتى متعب رحمه الله إلى بيته ذات مساء لحاجةٍ يريدها
(1) وقد سجن الطغاة العم محمد وأحد إخوة متعب، وكان أخوه الآخر مطاردٌ مثله، فلله درهم {ذريةٌ بعضها من بعض} .