(ادع معي) ، فكان يدعو ويقول: (اللهم ارزقنا شهادة في سبيلك، مقبلين غير مدبرين، على أحب هيئة إليك، تحيي بها القلوب الغافلة) ، ويبكي ويدعو، نسأل الله أن يتقبله ويتقبل منه.
وقبل مقتله بثلاث ساعات؛ أتى إليه أحد الإخوة وتحدث معه عن مساعد السبيعي وعبد المحسن الشبانات، فتمنى أن يلحق بهم.
وعندما حانت الساعة العاشرة من صباح يوم الجمعة؛ أتى إليه الإخوة لكي يغيروا لجرحه، فلما دخلوا عليه تفاجئوا بإشراقةٍ رائعةٍ لوجهه الطاهر، وتفاجئوا أيضًا بأن رائحة الجرح قد انقطعت تمامًا!
وكانوا قد اعتادوا أن يرفعوا يده فوق وساده لتغيير الجرح، فلما أرادوا أن يرفعوا يده حصلت له كرامةٌ عظيمة ذكرتنا بما حصل لسعد بن معاذ رضي الله عنه، فقد شخص ببصره إلى السماء وأخذ يقلب بصره وكأنه يشاهد زوارًا غرباء، ثم أخذ ينزل ببصره رويدًا رويدًا ويلتفت يمنةً ويسرة، فلما رفع الإخوة يده؛ رفعها عاليًا ولم يضعها على الوسادة وبدأ يحرك سبابته بالشهادة وهو طيب النفس مطمئن، وحالته أبعد ما تكون عن حالة شخصٍ يحتضر.
سبحان الله، لقد تأملت حديث النبي صلى الله عليه وسلم: (إن العبد المؤمن إذا كان في انقطاع من الدنيا وإقبال من الآخرة؛ نزل إليه ملائكة من السماء بيض الوجوه كأن وجوههم الشمس، معهم كفن من أكفان الجنة وحنوط من حنوط الجنة، حتى يجلسوا منه مد البصر، ثم يجيء ملك الموت عليه السلام حتى يجلس عند رأسه، فيقول؛ أيتها النفس الطيبة اخرجي إلى مغفرة من الله ورضوان) ، قال: (فتخرج تسيل كما تسيل القطرة من في السقاء، فيأخذها، فإذا أخذها لم يدعوها في يده طرفة عين حتى يأخذوها فيجعلوها في ذلك الكفن وفي ذلك الحنوط، ويخرج منها كأطيب نفحة مسك وجدت على وجه الأرض) ، قال: (فيصعدون بها، فلا يمرون يعني بها على ملأ من الملائكة إلا قالوا؛ ما هذا الروح الطيب؟ فيقولون؛ فلان ابن فلان، بأحسن أسمائه التي كانوا يسمونه بها في الدنيا ... الحديث) [أخرجه أحمد] .
لقد تأملتُ هذا الحديث فوجدته يشابه وضع عامر حال احتضاره رحمه الله - نحسبه والله حسيبه - فقد صعدت روحه الطاهرة إلى بارئها ولم نشعر به، سبحان الله.
لقد كان موقفًا عظيمًا انعقدت فيه الألسنة، وتحجر الدمع في المحاجر، وخيمت الدهشة الممزوجة بالفرح لهذه النهاية على رؤوس الإخوة، فسبحان من أكرمه بهذا.