يجعل في حسابه أن نسبة الخطر هي مئة بالمئة، فلم يكن ليقدم على ذلك إلا رجل ألغى الحسابات المادية من تفكيره ... وكان ذلك الرجل هو الشهيد ناصر السياري رحمه الله.
كان يتنقل بأبي ناصر بسيارته الخاصة، ليلقي كلماته النارية في مساجد الرياض، رغم انتشار المباحث قاتلهم الله، كان رفيقَه في كلمة"مسجد البراك"وفي كلمة"جامع الراجحي"، وكان رفيقه في كلمة"مسجد الفوزان"، وما أدراك ما كلمة مسجد الفوزان ... يومها أعمى الله كلاب الطاغوت عن أبي ناصر ومن معه بخدعة لطيفة أمَرُّوها عليهم.
ذلك اليوم أحس أبو ناصر ومن معه بحركة في الحي الذي فيه"مسجد الفوزان"، وبعد الانتهاء من الكلمة؛ قام مجموعة من الإخوة بالتجمهر والتحرك لإيهام المباحث أن أبا ناصر معهم، بينما خرج هو ومعه السياري رحمه الله وآخرون مسرعين واستقلوا سيارة كان السياري قائدها، وغادروا المكان سالمين.
كان رحمه الله يقول لأبي ناصر وقت اشتداد الطلب عليه: (إذا أردت إلقاء كلمة في أي مسجد أخبرني قبل الأذان، وسأكون في المكان الذي تريد، وأنا أوصلك بإذن الله) ، ولم يكن ذلك الموقف"نقطة نهاية السطر"في شجاعته ... بل أضاف إليه أن استضاف أبا ناصر وبعض إخوانه في"استراحة الشفا"التي وقع فيها الاشتباك بين أولياء الشيطان وبعض المجاهدين، وعندما وقع الاشتباك كان ممن خرج سالمًا، ولكنه وقع في أسر الطواغيت بعد مدة ليمكث ماشاء الله أن يمكث، وليخرج بعدها أشد ثباتًا وأقوى بصيرة بحال الطواغيت وأشد حبًا للجهاد والمجاهدين.
كان بعد خروجه كثير الحديث عن الشهادة، كثير التمني لها، ولم يكن حاله في ذلك كحال أصحاب الكلام الذين ما إن يحين وقت الجد حتى يولوا الدبر، بل كان صادقًا - نحسبه كذلك والله حسيبه -
فلم ينشب أن انضم إلى قائمة الاستشهاديين في"غزوة شرق الرياض"وأخذ لذلك الأمر أهبته، ولكن قدر الله كان أسبق، حيث حصل تغيير في الترتيب للعملية، أدى إلى التعجيل بها، فلم يكتب لشهيدنا أن ينال شرف الشهادة في تلك الغزوة، ولعل الله ادخره لموطن آخر من المواطن التي يحبها ليصطفيه فيه مقبلًا غير مدبر.
لم يكتف شهيدنا بهذا الشوط في ركضه إلى الشهادة، بل سعى بعدها حتى التحق بركب المجاهدين في جزيرة العرب مرة أخرى، ونعم طالب الشهادة كان ... كان ذا همة عالية في الإعداد والتدريب، فقد كان متأخرًا بعض الشيء عن المجموعة التي انضم إليها في التدريبات العسكرية وما شابهها، ولكن لم يثنه التأخر عن اللحاق بهم، فقد صبر وصابر وبذل من الجهد ما نسأل الله أن يتقبله منه.