بسم الله الرحمن الرحيم
مازالت مواقفه العطرة تعطر خاطري، تسكب أريجها على كل ذكرياتي معه، قلبت ذاكرتي لأنتقي أجمل الصور له؛ لأبتدئ سيرته العطرة بها، حيرتني تلك الصور، كلها مرصعة بابتسامته المعهودة، تملأها البشاشة والبشر .. قررت أن ابتدئ بأول نظرة أطللت بها عليه، حيث كان في استقبالي أنا واثنين من إخواني المهاجرين، في شعب من الشعاب الجرداء، حيث تظهر معادن الرجال، كان الوقت ليلًا، لقيته وجهًا لوجه، ثم صافحته، ثم عانقته والحياء يملئ محياه، سألته: أنت"جميل"العنبري؟! أجابني بنبرة التواضع الجم: نعم ...
من هنا بدأت أتعرف عن قرب عن سر هذا الصيت المذاع بين كل صغير وكبير، شاب يبدوا في الثلاثينيات من عمره، رغم أنه لم يتجاوز حينها الواحدة والعشرين!!، شخصيته الوقورة، وخطواته الثابتة، ودهائه المبهر، وعشرته اللطيفة، تملك جنانك، وتغذي وجدانك، إنه بحق مدرسة من مدارس الجيل القادم، الذي سيعيد المجد والعزة لأمته.
من لا يعرف"جميل"يظنني مبالغًا في وصفي، لكنّ من عرفه يعلم أني لم أوفيه حقه، ولو جمعت مقولات الناس عن صفاته، لملأت بذلك الكتب والمجلدات.
إنه القائد الشاب المجاهد، الحافظ لكتاب الله،"جميل"بن ناصر العنبري، من"آل عنبر"من قبيلة"المياسر"، من جيل النصر الواعد، مَن أقلق بعزيمته وإرادته وتصميمه قادات الصليب.
تميز"جميل"منذ نعومة أظفاره بالحياء الجمّ، والأخلاق الرفيعة، ومع ذلك كان آمرًا بالمعروف ناهيًا عن المنكر، وكان يقتحم مع إخوانه أماكن بيع الخمور، وأوكار الفسق والفساد.
كان رحمه الله متواضعًا سهل المعشر، طيب القلب، رحيمًا بالمؤمنين شديدًا على الكافرين.
درَس العلم الشرعي في دار الحديث في"دمّاج"، واستفاد في هذا الجانب؛ فكان إذا خاض من حوله بمسألة شرعية لا يتكلم حتى يسأل، وإن تكلم في مسألة شرعية فبالدليل من الكتاب والسنة.
لما علم واجبه تجاه أمته، بادر بتطبيق ما تعلمه، وراح يبحث عن طريق إلى أفغانستان، تعذر الطريق إليها، ولكن الظروف زادت من عزيمته للبحث من جديد، حتى يسر الله له طريقًا إلى العراق؛ فشق طريقه نحوها، مرخصًا في سبيل الوصول إليها كل نفيس، والتحق بصفوف المجاهدين في العراق.