فهرس الكتاب

الصفحة 837 من 1099

وبينما هم في الطريق كان يردد وبصوتٍ مؤثر قول الله تعالى: (( الذين آمنوا يقاتلون في سبيل الله والذين كفروا يقاتلون في سبيل الطاغوت فقاتلوا أولياء الشيطان إن كيد الشيطان كان ضعيفا ) )وكان هو الذي يعرف طريق المنزل الذي سيتجه إليه الإخوة، فبدأ بوصف الطريق لهم ودماؤه تنزف بغزارة، وعندما نهاه الإخوة عن الكلام - لئلا يستهلك قوته - قال لهم: دعوني أصف لكم، فلو قتلت تنجون أنتم!! رحمه الله ورفع درجته، أي نفسٍ هذه؟!، حتى في أحلك المواقف والظروف لا ينسى إخوته ..

وصل الإخوة إلى مأمنهم وبدأت معاناته رحمه الله مع الإصابة، فقد كان لا يأكل ولا يشرب إلا قليلًا ويكتفي بالمغذيات، ولكنه رحمه الله على شدة آلامه كان من خيرة الصابرين المحتسبين - نحسبه والله حسيبه - ولقد رأى منه الإخوة في مرضه هذا عجبًا، فقد كان لا يئن ولا يظهر التوجع لإخوته، ويغتم إذا أحس أنهم يتألمون لمصابه، وقد أبى بشدة أن يسلم نفسه للعلاج، وقال بالحرف الواحد:"والله لو أنني أردت الدنيا لرجعت إلى والدي - ووالدي يعملُ في أحد المستشفيات في الرياض - وأستطيع هناك أن أتعالج بأفضل وسيلة، ولكن والله لا أسلم نفسي للطواغيت، ولأن أموت بين إخواني أحب إلي ألف مرة من أن أسلم نفسي للطواغيت الكَفَرَة"لا إله إلا الله، من يقدر على مثل هذه؟؟! ..

كان رحمه الله تصدر عنه كلمات طالما تعجب الإخوة منها كيف تصدر من هذا الرجل وهو بهذه الحالة .. وكان يحس بالألم الكبير لعجزه عن النهوض ومقارعة أعداء الله فكأنه أسدٌ جريح ثناه الدهرُ عما يرومه، وقد قال في ذلك:"والله لئن أحياني الله ليرين ما أصنع"ونحسبه والله حسيبه ممن يصدق كلامَه فعالُه ..

وكان دائم الحديث عن العائلة المباركة، ابتداءً بأمه وأبيه وأخيه زيدان، فقد كان يتحدث دائمًا عن أمه الصالحة ويثني عليها وعلى مواقفها الرائعة، وكان بينه وبين أخيه زيدان علاقةٌ حميمة جدًا، كان يقول:"كنا نجلس بعض المجالس العامة، ونظل نتحدث مع بعضنا ونتناقش وننسى بقية الجُلاّس، فيظن الناس أننا صاحبين تقابلنا بعد طول فراق، ثم يتفاجئون بخروجنا سويًا!!"ولذلك كان يُحدث إخوانه أثناء فترة إصابته بقصة استشهاد زيدان في شمال أفغانستان وهو يبكي، فلقد سقط على المجموعة التي كان أخوه فيها صاروخ كروز، وكان زيدان قائم يصلي بالإخوة فقتل رحمه الله، وكان يشتد بكاؤه إذا تذكّر أخاه ويتمثل بأبيات متمم بن نويرة في رثاء أخيه مالك:

فلما تفرقنا كأني ومالكًا لطول اجتماعٍ لم نبت ليلة معا

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت