وكانت التراجعات أيام مرضه، وقد أتى وتحامل على نفسه وجلس مع الإخوة وهم يشاهدون التراجعات، وكان منه في تلك اللحظات موقف عجيب، فقد كان يوصي الإخوة بالثبات ويذكرهم بأن الثبات من الله فتعجب الإخوة منه فرحمه الله، وقال أحدهم: لقد أحيا قلوبنا، وكان يقول: هل هم صحابة؟ الصحابة بعضهم ارتدوا!! ومن شدة الألم لم يستطع المواصلة فرجع إلى سريره ..
وكان شأنه مع الصلاة عجيبًا، فقد اشتد المرض عليه رحمه الله، فبدأ يغيب عن وعيه وتفوت عليه بعض الصلوات، ولكنه كان سرعان ما يفيق من غفوته مذعورًا ويقول: الصلاة الصلاة، هل فاتتني الصلاة؟ ثم يقوم بالصلاة ويعود لغفوته، ثم يصحو منها وينادي بالصلاة ظانًا أنه لم يصل، فطمأنه الإخوة وعملوا له جدولًا للصلوات الفائتة فارتاح كثيرًا، وكلما استيقظ من غيبوبته يقوم بقضاء ما عليه من صلوات ولم يمت رحمه الله وعليه فرضٌ واحد فقد أداها جميعًا رحمه الله ..
وكان رحمه الله يدعوا كثيرًا حال مرضه، وكلما دخل عليه الإخوة وجدوه رافعًا بصره نحو السماء يناجي ربه، وكان في آخر أيامه يوصي الإخوة بالثبات، ويوصيهم بمعاداة الطواغيت والبراءة منهم، وكان يسبهم ويشتمهم، ويوصي إخوانه بالتعاون والتكاتف. فلله دره، تخيل أن ترى أخاك طريحًا على فراش المرض يكاد يلاقي ربه ومع ذلك يخصك بنصائحٍ غالية! لاشك أنها ستكون محفورةً في سويداء القلب لا تبرحه، رحمك الله يا عامر ..
ما زالَ صمتُكَ غَارقًا في دَمعتِي .. مَازالَ صوتُكَ حَاضرًا في يَقضتي .. مَا زلتَ أَنتَ بِرَغمِ مَوتِكَ لَم تَزل .. بَطلَ النّهايةِ من بدايةِ قِصّتي ..
قال عنه الشيخ عبد الله الرشود حفظه الله: كان كلما زرته في مرضه رأيت منه عجبًا في تحمل الألم والصبر على الأذى، وكان كلما اشتد عليه الألم أوصى الإخوةَ بالثبات على الطريق وعدم النكوصِ عنه، وكان يقول:"إنني أتمنى الشفاء من الله كي أثخن في الطواغيت وأواصل درب الجهاد"..
اقترب الشهر الثاني من نهايته، والنفس الكبيرة ما زالت تضرب أروع الأمثلة في الثبات الصمود والفداء، ولقد جمع إخوته رحمه الله قبل استشهاده بيومين وجلسوا بجانبه، فبدأ يشير على كل واحدٍ منهم ويقول:"يا فلان إني أحبك في الله حبًا خالطَ بشاشة قلبي"فعلَ ذلك مع كل واحدٍ منهم على حده، ثم ألقى عليهم كلمةً مؤثرةً بليغة تأثر منها الإخوة كثيرًا، وكان فصيحًا جيّد الاستحضار للآيات والأحاديث وأبيات الشعر، ولكنه في تلك الكلمة كان محلقًا في قلوب الإخوة الذين استمعوا له، وأوصاهم وصايا غالياتٍ مازال الإخوة يرددونها ويتذكرونها ..