وانطلق الفراهي بعد هذه المقدمة ليقول"إنَّ البيان كالظل والأثر للنطق الذي هو مقَوِّم للإنسان، كما أَن النطق ظل من الوحي الأعلى وكلمة الله العليا. فالبحث عن أوليات علم البيان يجلبنا إلى الحكمة الإلهية" (ص1) وهذا فهم جديد للبيان أراد به المؤلف أنْ يُبيِّن الفرق بين"تعاطينا العلوم لا سيما هذا العلم وبين تعرض الأمم الأخر له، فإنهم نظروا إليه من نظر دني دنياوي فنالتهم غوائلها، وأبعدهم عن الحق باطلها، فتراكمت عليهم ظلمات بعضها فوق بعض". ولكن كيف يُعرف الكلام الحسن؟ يرى المؤلف أن في ذلك صعوبة على الرغم من أنَّ الناس اتفقوا على"أَنَّ في الكلام حسنًا وقبيحًا، وعاليًا وسافلًا"ولكنهم"اختلفوا على تعيين موضع الحسن وتفضيل بعض الكلام على بعض، حتى أن أبصر الناس بالنقد يخالف من هو ليس دونه، وهكذا العادة في كل لذيذ مرغوب؛ لأن أكثر الأشياء المستحسنة غير بسيطة، وأسباب الحسن فيه غير واحد" (ص2) ومن هنا تختلف الأحكام النقدية (فمع أَنَّ للكلام حسنًا وعلوًا تذعن لها الأذواق صعب سبيل النقد والتمييز، وأبهمت معرفة كنه الحسن وسر البلاغة حتى أنك ترى شعرًا أو نثرًا يروق أكثر الناقدين وعامة أهل الذوق، ولكن إذا سألتهم عن وجه الحسن اختلفت كلمتهم كما إذا سمعوا صوتًا أو شموا طيبًا فسألتهم من أي جهة جاءكم هذا اختلفوا في جوابهم"(ص3) ."
وهذا ما كان السابقون يقولون به كعبد القاهر الجرجاني الذي ذهب إلى أَنَّ إدراك البلاغة يكون بالذوق وإحساس النفس، وهذا صعب المنال يقول:"فليس الداء فيه بالهيِّن، ولا هو بحيث إذا رُمْتَ العلاجَ منه وجدت الإمكان فيه مع كل أحد مُسْعفًا والسعي منجحًا، لأن المزايا التي تحتاج أَنْ تعلمهم مكانها، وتصور لهم شأنها أمور خفية ومعانٍ روحانية أنت لا تستطيع أن تنبه السامع لها، وتحدث له علمًا بها حتى يكون مُهَيئًا لإدراكها، وتكون له طبيعة قابلة لها، ويكون له ذوق وقريحة يجد لهما في نفسه إِحساسًا" (دلائل الإِعجاز ص 547 - طبعة محمود محمد شاكر) . وأقرب من هذا إلى ما ذهب إليه الفراهي قول السكاكي وهو يتكلم على إعجاز القرآن الكريم. يقول:"واعلم أَنّ شأن الإعجاز عجيب يُدْرَك ولا يمكن وصفُه كاستقامة الوزن تُدرك ولا يمكن وصفها، وكالملاحة. ومدرك الإعجاز عندي هو الذوق ليس إلا، وطريق اكتساب الذوق طول خدمة هذين العلمين -المعاني والبيان" (مفتاح العلوم ص196 - طبعة 1937م) .
وانتقد الفراهي البلاغيين الذين ذهبوا مذهب العجم، ولو أَنَّهم"استقصوا كلام العرب واقتفوا آثار المحاسن فيه، وقيدوها بالحدود، ونظموها في ترتيب حتى يصير لهم ميزان ومحك لمعرفة محاسن الكلام، ثم نظروا في براعة القرآن ونظمه المعجز لكانوا أقرب إلى معرفته - أي إعجاز القرآن- ولكنهم لم يأخذوا من العرب ولا من كلامهم فَإنَّهْم أثرت فيهم علوم العجم كما خالطتهم سجاياهم إلا الأولين منهم كالجاحظ فإِنّه لا يبعد عن سنن العرب كبعد صاحب دلائل الإعجاز، ولم يبعد هذا إلا لقلة ممارسته بكلام العرب الخلص. فلو تيسر له ذلك عرف منزلتهم في هذه الصناعة واعترف بفضِلهم على المولدين وقال بقول الجاحظ:"لم أجد في خطب السلف الطيب، والأعراب الأَقحاح ألفاظًا منحولة، ولا معاني مدخولة، ولا طبعًا رديًا، ولا قولًا مستكرهًا، وأكثر ما نجد ذلك في خطب المولدين البلديين المتكلفين ومن أهل الصنعة المتأدبين، وسواء كان ذلك على جهة الارتجال والاقتضاب، أو كان من نتاج التحيز والتفكر". فلما تركوا منهج كلام العرب صار أهم شيء عندهم البديع ومطمح نظرهم التشبيه، وعند الأول أولهما منكر، والثاني غير مهم لذاته" (ص3) . وهذا إسراف في الحكم على بلاغة عبد القاهر الجرجاني التي لم تكن أعجمية كما قال الفراهي، وإنما هي قرآنية، فضلًا عن أَنَّ عبد القاهر لم يكن جاهلًا بكلام العرب نحوًا وأسلوبًا، وهو النحوي الذي ترك كثيرًا من الكتب في بلاغة القرآن، والنحو، والصرف والعروض وغيرها (تنظر كتبه في عبد القاهر الجرجاني- بلاغته ونقده للدكتور أحمد مطلوب ص 25 - 47) .
(يُتْبَعُ)