وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاء فِي الضَّمِير فِي قَوْله:"يُصَلُّونَ"فَقَالَتْ فِرْقَة: الضَّمِير فِيهِ لِلَّهِ وَالْمَلَائِكَة , وَهَذَا قَوْل مِنْ اللَّه تَعَالَى شَرَّفَ بِهِ مَلَائِكَته , فَلَا يَصْحَبهُ الِاعْتِرَاض الَّذِي جَاءَ فِي قَوْل الْخَطِيب: مَنْ يُطِعْ اللَّه وَرَسُوله فَقَدْ رَشَدَ , وَمَنْ يَعْصِهِمَا فَقَدْ غَوَى. فَقَالَ لَهُ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (بِئْسَ الْخَطِيب أَنْتَ , قُلْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّه وَرَسُوله) أَخْرَجَهُ الصَّحِيح. قَالُوا: لِأَنَّهُ لَيْسَ لِأَحَدٍ أَنْ يَجْمَع ذِكْر اللَّه تَعَالَى مَعَ غَيْره فِي ضَمِير , وَلِلَّهِ أَنْ يَفْعَل فِي ذَلِكَ مَا يَشَاء. وَقَالَتْ فِرْقَة: فِي الْكَلَام حَذْف , تَقْدِيره إِنَّ اللَّه يُصَلِّي وَمَلَائِكَته يُصَلُّونَ , وَلَيْسَ فِي الْآيَة اِجْتِمَاع فِي ضَمِير , وَذَلِكَ جَائِز لِلْبَشَرِ فِعْله. وَلَمْ يَقُلْ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (بِئْسَ الْخَطِيب أَنْتَ) لِهَذَا الْمَعْنَى , وَإِنَّمَا قَالَ لِأَنَّ الْخَطِيب وَقَفَ عَلَى وَمَنْ يَعْصِهِمَا , وَسَكَتَ سَكْتَة. وَاسْتَدَلُّوا بِمَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُد عَنْ عَدِيّ بْن حَاتِم أَنَّ خَطِيبًا خَطَبَ عِنْد النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: مَنْ يُطِعْ اللَّه وَرَسُوله وَمَنْ يَعْصِهِمَا. فَقَالَ: (قُمْ - أَوْ اِذْهَبْ - بِئْسَ الْخَطِيب أَنْتَ) . إِلَّا أَنَّهُ يَحْتَمِل أَنْ يَكُون لَمَّا خَطَّأَهُ فِي وَقْفه وَقَالَ لَهُ: (بِئْسَ الْخَطِيب) أَصْلَحَ لَهُ بَعْد ذَلِكَ جَمِيع كَلَامه , فَقَالَ: (قُلْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّه وَرَسُوله) كَمَا فِي كِتَاب مُسْلِم. وَهُوَ يُؤَيِّد الْقَوْل الْأَوَّل بِأَنَّهُ لَمْ يَقِف عَلَى"وَمَنْ يَعْصِهِمَا". وَقَرَأَ اِبْن عَبَّاس:"وَمَلَائِكَتُهُ"بِالرَّفْعِ عَلَى مَوْضِع اِسْم اللَّه قَبْل دُخُول"إِنَّ". وَالْجُمْهُور بِالنَّصْبِ عَطْفًا عَلَى الْمَكْتُوبَة.
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا
فِيهِ أَرْبَعَة مَسَائِل: الْأُولَى: أَمَرَ اللَّه تَعَالَى عِبَاده بِالصَّلَاةِ عَلَى نَبِيّه مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دُون أَنْبِيَائِهِ تَشْرِيفًا لَهُ , وَلَا خِلَاف فِي أَنَّ الصَّلَاة عَلَيْهِ فَرْض فِي الْعُمُر مَرَّة , وَفِي كُلّ حِين مِنْ الْوَاجِبَات وُجُوب السُّنَن الْمُؤَكَّدَة الَّتِي لَا يَسَع تَرْكهَا وَلَا يَغْفُلهَا إِلَّا مَنْ لَا خَيْر فِيهِ. الزَّمَخْشَرِيّ: فَإِنْ قُلْت الصَّلَاة عَلَى رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَاجِبَة أَمْ مَنْدُوب إِلَيْهَا؟ قُلْت: بَلْ وَاجِبَة. وَقَدْ اِخْتَلَفُوا فِي حَال وُجُوبهَا , فَمِنْهُمْ مَنْ أَوْجَبَهَا كُلَّمَا جَرَى ذِكْره. وَفِي الْحَدِيث: (مَنْ ذُكِرْت عِنْده فَلَمْ يُصَلِّ عَلَيَّ فَدَخَلَ النَّار فَأَبْعَدَهُ اللَّه) . وَيُرْوَى أَنَّهُ قِيلَ لَهُ: يَا رَسُول اللَّه , أَرَأَيْت قَوْل اللَّه عَزَّ وَجَلَّ:"إِنَّ اللَّه وَمَلَائِكَته يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيّ"فَقَالَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (هَذَا مِنْ الْعِلْم الْمَكْنُون وَلَوْلَا أَنَّكُمْ سَأَلْتُمُونِي عَنْهُ مَا أَخْبَرْتُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّه تَعَالَى وَكَّلَ بِي مَلَكَيْنِ فَلَا أُذْكَر عِنْد مُسْلِم فَيُصَلِّي عَلَيَّ إِلَّا قَالَ ذَلِكَ الْمَلَكَانِ غَفَرَ. اللَّه لَك وَقَالَ اللَّه تَعَالَى وَمَلَائِكَته جَوَابًا لِذَيْنِك الْمَلَكَيْنِ آمِينَ. وَلَا أُذْكَر عِنْد عَبْد مُسْلِم فَلَا يُصَلِّي عَلَيَّ إِلَّا قَالَ ذَلِكَ الْمَلَكَانِ لَا غَفَرَ اللَّه لَك وَقَالَ اللَّه تَعَالَى وَمَلَائِكَته لِذَيْنِك الْمَلَكَيْنِ آمِينَ) . وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: تَجِب فِي كُلّ مَجْلِس مَرَّة وَإِنْ تَكَرَّرَ ذِكْره , كَمَا قَالَ فِي آيَة السَّجْدَة وَتَشْمِيت الْعَاطِس. وَكَذَلِكَ فِي كُلّ دُعَاء فِي أَوَّله وَآخِره وَمِنْهُمْ مَنْ أَوْجَبَهَا فِي الْعُمُر. وَكَذَلِكَ قَالَ فِي إِظْهَار الشَّهَادَتَيْنِ
(يُتْبَعُ)