ووجدت في اللغة من هذا الفنّ شيئا كثيرا لا يكاد يحاط به ولعلّه لو جمع أكثره (لا جميعه) لجاء كتابا ضخما وقد عرفت طريقه. فإذا مرّ بك شىء منه فتقبّله وأنس به فإنه فصل من العربية لطيف، حسن يدعو إلى الأنس بها والفقاهة فيها. وفيه أيضا موضع يشهد على من أنكر أن يكون في اللغة لفظان بمعنى واحد، حتى تكلّف لذلك أن يوجد فرقا بين قعد وجلس [1] ، وبين ذراع [2]
وساعد ألا ترى أنه لما كان رفث بالمرأة في معنى أفضى إليها جاز أن يتبع الرفث الحرف الذى بابه الإفضاء، وهو (إلى) . وكذلك لمّا كان (هل لك في كذا) بمعنى أدعوك إليه جاز أن يقال: هل لك إلى أن تزكى (كما يقال أدعوك إلى أن تزكى) وقد قال رؤبة ما قطع به العذر ههنا، قال:
* بال بأسماء البلى يسمّى *
فجعل للبلى وهو معنى واحد أسماء.
وقد قدمنا هذا (فيما مضى من صدر كتابنا) .
ومما جاء من الحروف في موضع غيره على نحو مما ذكرنا قوله:
إذا رضيت علىّ بنو قشير ... لعمر الله أعجبنى رضاها [3]
أراد: عنّى. ووجهه: أنا إذا رضيت عنه أحبّته وأقبلت عليه. فلذلك استعمل (على) بمعنى (عن) وكان أبو علىّ يستحسن قول الكسائىّ في هذا لأنه قال: لما كان (رضيت) ضدّ (سخطت) عدّى رضيت بعلى حملا للشىء على نقيضه كما
(1) القعود يكون عن قيام. والجلوس يكون عن حالة دونه.
(2) فسر بعضهم الذراع بأنه الأسفل من الزندين، والساعد: الأعلى منهما. وانظر اللسان.
(3) البيت من الوافر، وهو للقحيف العقيلى في أدب الكاتب ص 507، والأزهية ص 277، وخزانة الأدب 10/ 132، 133، والدرر 4/ 135، وشرح التصريح 2/ 14، وشرح شواهد المغنى 1/ 416، ولسان العرب (رضى) ، والمقاصد النحوية 3/ 282، ونوادر أبى زيد ص 176، وبلا نسبة في الأشباه والنظائر 2/ 118، والإنصاف 2/ 630، وأوضح المسالك 3/ 41، وجمهرة اللغة ص 1314، والجنى الدانى ص 477، ورصف المبانى ص 372، وشرح الأشمونى 2/ 294، وشرح شواهد المغنى 2/ 954، وشرح ابن عقيل ص 365، وشرح المفصل 1/ 120، ولسان العرب (يا) ، والمحتسب 1/ 52، 348، ومغنى اللبيب 2/ 143، والمقتضب 2/ 320، وهمع الهوامع 2/ 28، وتاج العروس (عنن) .