وقال ابن خلدون (ت 808هـ) وقد كان الخط العربي بالغا مبالغه من الإحكام والإتقان والجودة في دولة التّبابعة مما بلغت من الحضارة والترف وهو المسمّى بالخط الحميري وانتقل منها إلى الحيرة لما كان بها من دولة آل المنذر نسباء التبابعة في العصبية والمجددين
لملك العرب بأرض العراق ولم يكن الخط عندهم من الإجادة كما كان عند التبابعة لقصور ما بين الدولتين وكانت الحضارة وتوابعها من الصنائع وغيرها قاصرة عن ذلك ومن الحيرة لقنه أهل الطائف وقريش فيما ذكر ويقال إن الذي تعلم الكتابة من الحيرة هو سفيان بن أمية ويقال حرب بن أمية وأخذها من أسلم بن سدرة وهو قول ممكن [المقدمة 418] .
وطبيعي أن الكتابة تطورت في عصر النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم تطورا ملموسا على أثر الحاجة الماسة في عقود الصلح والمراسلات بحكم الظروف المتطورة كما يكشف عن ذلك النص القرآني:
{يََا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذََا تَدََايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلى ََ أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كََاتِبٌ بِالْعَدْلِ} [البقرة: 282] فلو لم تكن الكتابة منتشرة لما كان للأمر به موردا.
والنبي صلّى الله عليه وآله وسلّم نفسه أكد على الكتابة قولا بقوله: «قيدوا العلم بالكتاب» [صبح الأعشى 31] . وتقريرا حيث كتبت رسائل إلى حكام وقته يدعوهم إلى الإسلام ختمها بخاتمه منها رسالته إلى المقوقس حاكم مصر وجعل الفداء لاسرى بدر من قريش أن يعلم كل منهم عشرين من المسلمين القراءة والكتابة [طبقات ابن سعد 142] .
كما تكشف عن تطور كتابة بعض الخطوط المنسوبة، منها: الرسالة إلى المقوقس عظيم القبط المحفوظة في متحف طوب قابوسراي في استانبول وقد عثر عليها في أحد أديرة مصر قرب اخميم عام 1850م قياسها 3425سم. [أصل الخط العربي وتطوره، ص 90] .
لاحظت الباحثة الجبوري أن: «في هذه الوثيقة كثيرا من الأخطاء الإملائية أيضا وكلمات لا يمكن قراءتها ولولا أن نصها قد روي كثيرا في المصادر التاريخية لما استطاع أحد أن يقرأ إلا جزءا يسيرا منها» .
ومما قالت: «ولا نجد في الواضح من حروفها اختلافا بينا لما كان مألوفا حول تلك الفترة الزمنية غير أن تباينا في طريقة كتابة بعض الكلمات والتي منها كلمة (الكتاب) التي جاءت مغايرة لما هو مألوف آنذاك باسقاط حرف الألف الوسطى كما هو الأمر مثلا في كلمة (الكتب) في شاهد قبر 31هـ.
ومما تجدر الإشارة إليه أيضا عدم تناسب المسافات بين حروف بعض الكلمات وبين المسافات الممزقة التي تتخلل تلك الوثيقة. والمثال على ذلك ما نجده من مسافة كبيرة بين حرف الكاف في كلمة (يدعوك) وبين حرف الواو من الكلمة نفسها بحيث لم يكن هناك تأثير للتمزيق بين الحرفين. وكذا الحال بين كلمتي (بدعاية) و (الإسلام) وكذلك بين الكاف في
كلمة (أجرك) والجيم منها، حيث اعتبرت مسافة التمزيق لحرف الراء فقط. كما أن ارتفاع كلمة (بينكم) عن مستوى حرف الواو يصور لنا أنه قد حدث بسبب وجود التمزيق. [أصل الخط العربي ص 91] .