«وانظر ما وقع لأجل ذلك في رسمهم المصحف حيث رسمه الصحابة بخطوطهم وكانت غير مستحكمة في الإجادة فخالف الكثير من رسومهم ما اقتضته رسوم صناعة الخط عند أهلها ثم اقتفى التابعون من السلف رسمهم فيها تبركا بما رسمه أصحاب الرسول صلّى الله عليه وآله وسلّم وخير الخلق من بعده المتلقّون لوحيه من كتاب الله وكلامه كما يقتفى لهذا العهد خطّ ولي أو عالم تبركا ويتبع رسمه خطأ أو صوابا وأين نسبة ذلك من الصحابة فيما كتبوه فاتبع ذلك وأثبت رسما ونبه العلماء بالرسم على مواضعه ولا تلتفتن في ذلك إلى ما يزعمه بعض المغفّلين من أنهم كانوا محكمين لصناعة الخط وأن ما يتخيل من مخالفة خطوطهم لأصول الرسم ليس كما يتخيل بل لكلها وجه يقولون في مثل زيادة الألف في «لا أذبحنّه» إنه تنبيه على أن الذبح لم يقع وفي زيادة الياء في «باييد» أنه تنبيه على كمال القدرة الربانية وأمثال ذلك مما لا أصل له إلّا التحكّم المحض وما حملهم على ذلك إلا اعتقادهم أن في ذلك تنزيها للصحابة عن توهم النقص في قلّة إجادة الخط وحسبوا أن الخط كمال فنزّهوهم عن نقصه ونسبوا إليهم الكمال بإجادته وطلبوا تعليل ما خالف الإجادة من رسمه وذلك ليس بصحيح. واعلم أن
الخط ليس بكمال في حقهم إذ الخطّ من جملة الصنائع المدنية المعاشية كما رأيته فيما مرّ والكمال في الصنائع إضافيّ بكمال مطلق إذ لا يعود نقصه على الذات في الدين ولا في الخلال وإنما يعود على أسباب المعاش وبحسب العمران والتعاون عليه لأجل دلالته على ما في النفوس [المقدمة 419] .
وأفضل دليل على أن الرسم ليس توقيفيا ما حصل من الاختلاف بين الصحابة في رسم القرآن في عهد عثمان في كتابة (التابوت) و (التابوة) فلو كان توقيفيا لما حصل هذا الاختلاف.
قال الداني (ت 444) : «عن ابن شهاب قال اختلفوا يومئذ في «التابوت» فقال زيد بن ثابت «التابوة» وقال ابن الزبير وسعيد وعبد الرحمن «التابوت» فرفعوا اختلافهم إلى عثمان رضي الله عنه فقال عثمان اكتبوه «التابوت» فإنه لسان قريش» [المقنع 121] .
وقد وردت كلمة «التابوت» في القرآن مرتين هما:
1 {إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ التََّابُوتُ} [البقرة: 248] .
2 {أَنِ اقْذِفِيهِ فِي التََّابُوتِ} [طه: 39] .
(وعليه) الاختلاف في كتابة المصحف من اللجنة المكلفة بكتابة المصحف لم تحصل إلا في هذه الكلمة وحدها، وفي كتابتها بتاء طويلة أو مربوطة. وهذا الاختلاف غريب حيث أن زيد بن ثابت الذي كان يرى كتابتها (التابوة) كان هو بنفسه قد كتب للخليفة أبي بكر مصحفه وأنه كان قد كتب الكلمة كذلك مما يظهر اعتماد أبي بكر رضي الله عنه عليه اعتمادا مطلقا وأن تلك الصحف نفسها كانت مصدرا للجنة في عهد عثمان فالاختلاف إذن جاء من قبل أعضاء اللجنة من قريش الذين رفضوا الانصياع لغير كتابة قريش المتمثل في زيد الأنصاري وأن الخليفة عثمان رضي الله عنه رجّح جانب قريش لأن النبي منهم والقرآن نزل بلغتهم. و (أيضا) يبقى السؤال لماذا لم يحصل هذا الاختلاف في كلمات مشابهة في التاء المربوطة والطويلة ككلمة (نعمت) و (نعمة) مع أن مواردها كثيرة في القرآن؟
ومنه يعلم أن الخط في غير كلمة (تابوت) كانت تابعة لرسم قريش وعليه المصحف الإمام كله على رسم قريش وقد خالف المصحف الإمام مقاييس رسم الكتابة في عصر الصحابة وحافظ المسلمون على هذه الخطوط كما هي بالرغم من تطور قواعد الرسم في الأجيال المتعاقبة.
كما أن محاولات لتصحيح رسم القرآن حصلت في بداية التاريخ الإسلامي كما
تسجله رواية السجستاني (ت 316هـ) عن ابن زياد (ت 53هـ) قال: «حدّثني يزيد الفارسي قال زاد عبيد الله بن زياد في المصحف ألفي حرف، فلما قدم الحجّاج بن يوسف بلغه ذلك فقال: من ولي ذلك لعبيد الله؟ قالوا: ولي ذاك له يزيد الفارسي، فأرسل إليّ فانطلقت إليه وأنا لا أشك أن سيقتلني، فلما دخلت عليه قال: ما بال ابن زياد زاد في المصحف ألفي حرف؟ قال قلت: أصلح الله الأمير إنه ولد بكلّاء البصرة فتوالت تلك عني، قال: صدقت.