فهرس الكتاب

الصفحة 265 من 387

وقال الإمام أبو محمد المكي (ت 437هـ) : «وقد ذكر الناس من الأئمة في كتبهم أكثر من سبعين ممن هو أعلى رتبة وأجل قدرا من هؤلاء السبعة، على أنه قد ترك جماعة من العلماء في كتبهم في القراءات ذكر بعض هؤلاء السبعة واطرحهم. وقد ترك أبو حاتم وغيره ذكر حمزة والكسائي وابن عامر وزاد نحو عشرين رجلا من الأئمة ممن هو فوق هؤلاء السبعة. وكذلك زاد الطبري في كتاب «القراءات» له على هؤلاء السبعة نحو خمسة عشر رجلا. وكذلك فعل أبو عبيد وإسماعيل القاضي. فكيف يجوز أن يظن ظان أن هؤلاء السبعة

المتأخرين قراءة كل واحد منهم أحد الحروف السبعة المنصوص عليها؟ هذا تخلف عظيم أكان ذلك بنص من النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم أم كيف ذلك؟ وكيف يكون ذلك والكسائي إنما ألحق بالسبعة بالأمس في أيام المأمون وغيره وكان السابع يعقوب الحضرمي فأثبت ابن مجاهد في سنة ثلاثمائة أو نحوها الكسائي في موضع يعقوب ثم أطال الكلام في تقرير ذلك [النشر 1/ 37] .

وعلى العكس يرى الدكتور شوقي ضيف محقق كتاب السبعة لابن مجاهد بعد أن استعرض اختلاف القراءات أن ما قام به ابن مجاهد كان ضروريا فقال: وكل ذلك جعل من الضروري أن يتجرد عالم من علماء القراءات أو طائفة من جهابذتها، ليقابلوا بين القراءات الكثيرة التي شاعت في العالم الإسلامي، ويستخلصوا منها للناس قراءات يحملونها عليها حتى لا يتفاقم الأمر، ويلتبس الباطل بالحق، وتصبح قراءة القرآن فوضى، لكل أن يقرأ حسب معرفته، بدون بصر تام بوجوه القراءات وبدون تمييز بين المتواتر المشهور منها وغير المتواتر. ولم يلبث ابن مجاهد أن نهض بهذا العبء الرائع الذي تنوء به جماعات العلماء من القراء الأفذاذ، فاختار بعد البحث والفحص الطويل سبعة من أئمة القراءات حمل عليهم المسلمين في جميع أقطارهم وأمصارهم، وبذلك لم الشعث، وأدرك الأمة قبل أن يتسع بينها الخلاف في قراءات كتابه السماوي العظيم. [مقدمة كتاب السبعة ص 12] .

أقول: «وهذه بلا شك نظرة إلى علم القراءات من ناحية سياسية بحتة. ولا نظن الأمر بهذه الدرجة من التهويل الذي ذكر. فإن ابن مجاهد صرح أنه اختار القراءات المشهورة بين العوام. فإذا كانت مشهورة كما هو الواقع فإن شهرتها كانت كافية في العمل بها ولم تستلزم وجود قراءات غير مشهورة أية فوضى في الأمة كما يراه القائل بل وحتى اليوم توجد قراءات كقراءات عاصم المشهورة وقراءات غير مشهورة إما في بطون الكتب أو الصدور وليس لها أية فوضى مع أن الذين قاموا بتلك القراءات الغير المشهورة كانوا ذوي بصيرة تامة بوجوه القراءات ومع تمييز كامل بين المتواتر المشهور وغير المتواتر. ومما لا شك فيه أنه كان لابن مجاهد دور إيجابي في تفضيل هذه القراءات والتأكيد على شهرتها بين العوام حسب تعبيره ويشبه دوره دور الخليفة عثمان غير أنه لم يكن خليفة فكلاهما كان له دور تاريخي عن تاريخ القرآن ومعاقبة من لم يتبع رأيه.

فالخليفة عثمان كما في رواية المسعودي وقف موقفا متشددا لقراءة عبد الله بن مسعود بالمدينة وعبر عنه (بالدابة السوداء) وجر من رجله حتى كسر ضلعه ومات.

وابن مجاهد وقف موقفا متشددا لقراءة محمد بن شنبوذ (ت 328هـ) بالعراق فأمر الوزير بضربه سبع درر وضرب نحو العشر فتألم وصاح وادعى الرجوع عن رأيه ومات في

سجن السلطان كما ذكره ابن النديم. ولا يزال لدور ابن مجاهد أثرا في تفضيل القراءات السبع على غيرها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت