فهرس الكتاب

الصفحة 266 من 387

وابن مجاهد وقف موقفا متشددا لقراءة محمد بن شنبوذ (ت 328هـ) بالعراق فأمر الوزير بضربه سبع درر وضرب نحو العشر فتألم وصاح وادعى الرجوع عن رأيه ومات في

سجن السلطان كما ذكره ابن النديم. ولا يزال لدور ابن مجاهد أثرا في تفضيل القراءات السبع على غيرها.

والملاحظ أن ابن مجاهد ركز على القراءات المشهورة بين العوام حسب تعبيره في المدن مكة الكوفة البصرة والشام دون غيرها مع أن القراء لم ينحصروا فيها ومع أن منهم من هاجر منها وإليها ولم يكن من أهلها فالكسائي كان يتنقل بين البلاد [ص 79] أبو عمرو بن العلاء قرأ على أهل الحجاز وسلك في القراءة طريقهم [ص 82] وإلى قراءته صار أهل البصرة أو أكثرهم [ص 85] .

فاختيار ابن مجاهد هذه المدن خاصة دون غيرها لم يقم على حجة شرعية وإن كان أغلب الظن أن السبب هو أن عثمان أرسل المصاحف إليها فهي خمسة فكان ينبغي التخميس لا التسبيع ولماذا أهمل البحرين؟ وهي منها على بعض الروايات.

قال العاملي (ت 1226هـ) : «ان ابن جبير قد صنف قبل ابن مجاهد كتابا في القراءات واقتصر على خمسة أخبار على عدد الأمصار التي أرسل عثمان إليها المصاحف. قال: ومن الناس من قال أنه وجه سبعة هذه الخمسة ومصحفا إلى اليمن وآخر إلى البحرين ولما أراد ابن مجاهد وغيره مراعاة هذا العدد ولم يعلم لذينك المصحفين بخبر أثبتوا قارئين آخرين كملوا بهما العدد الذي ورد به الخبر وعثر عليه ومن لم يعرف أصل المسألة فظن أن المراد بالأحرف السبعة القراءات السبع انتهى، وهذا يؤيد ما عليه أصحابنا. [مفتاح الكرامة 2/ 395] .

ويرى القسطلاني (ت 923هـ) المتأخر توجيها لعمل ابن مجاهد لم يدّعه ابن مجاهد نفسه فقال: «ابن مجاهد، أول من اقتصر على هؤلاء السبعة، فإنه أحب أن يجمع المشهور من قراءات الحرمين والعراقين والشام إذ هذه الأمصار الخمسة هي التي خرج منها علم النبوة، من القرآن وتفسيره، والحديث، والفقه في الأعمال الباطنة والظاهرة وسائر العلوم الدينية.

ثم زاد: «فلما أراد ذلك جمع قراءات سبعة مشاهير من أئمة قراء هذه الأمصار، ليكون ذلك موافقا لعدد الحروف التي أنزل عليها القرآن، لا لاعتقاده، أو اعتقاد غيره من العلماء، أن هؤلاء السبعة المعينين هم الذين لا يجوز أن يقرأ بغير قراءاتهم» [لطائف الاشارات 1/ 86] .

وهذا التوجيه في تحديد القراءات بالسبع أغرب من اختيار ابن مجاهد نفسه فإن موافقة العدد للحروف السبعة فيه من التلبيس ما لا ينبغي للعالم أن يفعله بل يجب أن يتجنبه خشية الالتباس بأن المراد السبعة هذه هي السبعة المذكورة في الأحاديث السبعة.

والظاهر أن ابن مجاهد تأثر في ذلك بشيخه الطبري (ت 310هـ) حيث كان مغرما بقراءته فقد نقل الخطيب البغدادي (ت 463هـ) عن أبي علي الطوماري قال: كنت أحمل القنديل في شهر رمضان بين يدي أبي بكر بن مجاهد إلى المسجد لصلاة التراويح، فخرج ليلة من ليالي العشر الأواخر من داره واجتاز على مسجده فلم يدخله وأنا معه، وسار حتى انتهى إلى آخر سوق العطش فوقف بباب مسجد محمد بن جرير الطبري ومحمد يقرأ سورة الرحمن، فاستمع قراءته طويلا ثم انصرف. فقلت له: يا أستاذ تركت الناس ينتظرونك وجئت تسمع قراءة هذا؟ فقال: يا أبا علي دع هذا عنك، ما ظننت أن الله تعالى خلق بشرا يحسن يقرأ هذه القراءة. [تاريخ بغداد 2/ 164] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت