فمن المتقدمين قال الطوسي (ت 460هـ) : «واعلموا أن العرف من مذهب أصحابنا والشائع من أخبارهم ورواياتهم أن القرآن نزل بحرف واحد على نبي واحد، غير أنهم أجمعوا على جواز القراءة بما يتداوله القراء، وأن الإنسان مخير بأي قراءة شاء قرأ. وكرهوا
تحديد قراءة بعينها بل أجازوا القراءة بالمجاز الذي يجوز بين القراء ولم يبلغوا بذلك حد التحريم [التبيان 1/ 7] .
ومن المتأخرين البلاغي (ت 1352هـ) قال: «إنّا معاشر الشيعة الإمامية قد أمرنا بأن نقرأ كما يقرأ الناس أي نوع المسلمين وعامتهم» [آلاء الرحمن ص 3] .
واستدل سيدنا الأستاذ على ذلك: «بالاجماع المتقدم عن التبيان ومجمع البيان، المعتضد بالسيرة القطعية في عصر المعصومين عليهم السّلام على القراءة بالقراءات المعروفة المتداولة في الصلاة وغيرها من دون تعرض منهم عليهم السّلام للانكار، ولا لبيان ما تجب قراءته بالخصوص الموجب للقطع برضاهم عليهم السّلام بذلك كما هو ظاهر. [المستمسك 6/ 45] .
أقول: «والتأمل في هذه الروايات يوجب قراءتي عاصم ونافع دون غيرهما لأن السائل لا يشك في كونه مواليا لآل البيت عليهم السّلام إما في المدينة موطن الإمام أو الكوفة حيثما وطن موالي أهل البيت عليهم السّلام والتواريخ المعاصرة لحياة الإمام الصادق (ت 148هـ) هي إحدى القراءات الثلاث: لأبي عامر (ت 118هـ) وهي المعروفة في دمشق ولم يعهد فيها مواليا لآل البيت عليهم السّلام في ذلك الوقت. وابن كثير وكانت قراءته معروفة بمكة وهي لم تكن معروفة بالولاء، فتتعين قراءة عاصم (ت 128هـ) وفي هذا التاريخ كان الإمام الصادق في عمر 45 عاما حيث أنه ولد عام 83هـ فشهرة قراءة عاصم في حياته ثابتة.
أما رواية الكاظم (ت 183هـ) فهي ليست إلا تأكيدا على رواية أبيه وحيث أنه عليه السّلام كان في المدينة وسجن في بغداد والقراءات المشهورة في عصره هي قراءة نافع (ت 189هـ) في المدينة وقراءة الكسائي (ت 189هـ) في الكوفة أما قراءة الكسائي فهي غير مدونة مستقلا وأما نافع فهي مدروسة كاملة فمن المحتمل أن تكون هذه القراءة إلى جنب قراءة عاصم أو تأكيدا على كلام الإمام الصادق عليه السّلام لا غير.
(وبعبارة أخرى) في هذه الروايات منها ما هو مروي عن الصادق عليه السّلام (ت 148هـ) ورواية واحدة مروية عن أبي الحسن، والظاهر أن المراد به الإمام الكاظم (ت 183هـ) والروايات كلها تؤكد على القراءات المتداولة في عصرهما والتأمل في حياة القراء الذين عاصروا الإمامين يفيد أن نختار قراءة البلدان التي عاشا فيها أو كثر الشيعة الموالون فيها وهي المدينة مركز الأئمة والكوفة مركز الشيعة كذلك والبصرة وبغداد عاش فيها الإمام الكاظم مسجونا ونجد من القراء مدنيا واحدا هو نافع بن عبد الله (ت 169هـ) فلا يقصده الإمام الصادق عليه السّلام لأن قراءته اشتهرت بعد حياة الإمام (ت 148هـ) وأما الكوفة ففيها ثلاث قراء
هم عاصم بن أبي النجود (ت 128هـ) والكسائي (ت 189هـ) وحمزة الزيات (ت 189هـ) وكل منهما متأخر. أما حمزة فهو متأخر عن الإمامين معا، وكذلك الكسائي.