تنفرد روايات أهل البيت عليهم السّلام بأن رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم قد جمع النصوص القرآنية وجعلها في موضع خلف فراشه.
فعن الصادق عليه السّلام قال: «ان رسول الله قال لعلي عليه السّلام يا علي: «القرآن خلف فراشي في المصحف والحرير والقراطيس فخذوه ولا تضيعوه كما ضيعت اليهود التوراة فانطلق علي فجمعه في ثوب أخضر ثم ختم عليه في بيته وقال لا أرتدي حتى أجمعه»
ونقل ابن شهرآشوب (ت 588هـ) عن أخبار أبي رافع القبطي [ت 41هـ] ما لفظه: «ان النبي قال في مرضه الذي توفي فيه لعلي: يا عليّ، هذا كتاب الله خذه إليك فجمعه علي في ثوب فمضى إلى منزله فلما قبض النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم جلس علي فألفه كما أنزله الله وكان به عالما» [المناقب 2، 41] .
والاعتبار يساعد على ذلك إذ كيف يعقل لنبي المسلمين أن يجعل نص القرآن مهملا وهو يعلم أن كل واحد من الصحابة معرض للقتل في سبيل الله أو الموت حتفه؟ فلا بد وأن النبي عليه السّلام اهتم بجمع بدائي للنص القرآني كما تصرح به روايات أهل البيت وإن كان أسلوب الجمع مجهولا لدينا (ويؤيد) ذلك الروايات المتضافرة على حث النبي لتعلم القرآن وتعليمه وقراءة القرآن وآدابه وتسمية سور خاصة منها باسماء خاصة أو مختلفة.
ويكاد المتتبع لسيرة النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم في اهتمامه بمصلحة الإسلام والمسلمين يقطع أن جمع القرآن قد حصل في عهده، وتحت إشرافه المباشر وأنه لم يرحل عن هذه الدنيا إلا والقرآن كان مجموعا بين الدفتين، معروفا بين المسلمين، يرجعون إليه في التعلم والتعليم، وهذا الرأي لم تنص عليه في الروايات لوضوحه.
ومما يؤيد أن القرآن كان مجموعا في عهد الرسول صلّى الله عليه وآله وسلّم وتحت إشرافه أن مصاحف الصحابة على اختلافها تتفق في ترتيب القرآن ترتيبا كميا بالابتداء بالسور الطوال منها ثم الأقصر فالأقصر ويبتدئ بالسّبع الطوال وينتهي بالمفصلات. فالمصاحف وإن اختلفت اختلافا كبيرا في تقديم السور وتأخيرها ولكنها لم تختلف في تقديم السور الطوال على القصار من دون أي اعتبار لتاريخ نزولها من المكي أو المدني فلو لم يكن إشراف مباشر من النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم على ترتيبها لاختلفت مصاحف الصحابة في ذلك ويساعد هذا وجوه.
أولا: رواية البخاري: «عن البراء قال لما نزلت: (لا يستوي القاعدون من المؤمنين والمجاهدون في سبيل الله) قال النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم: ادع لي زيدا وليجيء باللوح والدواة والكتف أو الكتف والدّواة، ثم قال: اكتب: {لََا يَسْتَوِي الْقََاعِدُونَ} [النساء: 95] ، وخلف ظهر النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم عمرو بن أمّ مكتوم الأعمى قال: يا رسول الله فما تأمرني، فإني رجل ضرير البصر، فنزلت
مكانها: (لا يستوي القاعدون من المؤمنين في سبيل الله غير أولي الضّرر) [البخاري 6، 227] .