الطرف الثاني: المفرطين (المرجئة) ، يقولون لا يضر مع الإيمان ذنب كما لا ينفع مع الكفر طاعة، فما دام العبد معه أصل الإيمان فمهما ارتكب من المحرمات فلا يضره ذلك، وهؤلاء يتبنون مذهب الإرجاء وهو قديم وموجود في الإسلام وموجود في العصر الحاضر.
القول الوسط: وهو قول أهل السنة والجماعة.
قولهم الإجمالي: مذهب أهل السنة والجماعة أن مرتكب الكبيرة غير الشرك بالله مستحقٌ للوعيد وهو تحت المشيئة والإرادة، إن شاء الله غفر له وإن شاء عذبه، ويرون أن من الذنوب ما هو مكفر (كما سيأتي تفصيله) ومنها ما ليس بمكفر.
مستحقٌ: أي أنه يستحق العقاب لكن لا يلزم معاقبته فقد لا يُعاقب فلله سبحانه وتعالى أن يُعاقبه ولكن لا يلزم وقوع العقاب، ومُستند أهل السنة والجماعة في هذا الباب هو قول الله تعالى:"إن الله لا يغفر أن يُشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء ومن يُشرك بالله فقد افترى إثمًا عظيما" [1] .
فمعنى هذه الآية أن من أشرك بالله تعالى لا يغفر الله له لأنه استوجب العقاب فلا مناص من معاقبته فهو مُخلد في النار، لكن من وقع في ذنب دون الشرك أيًا كان ذلك الذنب زلا يصل إلى درجة الكفر فهذا مستحق للعقاب وهو تحت مشيئة الله فإن شاء الله عذبه وإن شاء غفر له.
ويرى أهل السنة أن الذنوب صغيرها وكبيرها تُنقص الإيمان خلافًا لقول المرجئة الذين يقولون أنه لا يضر مع الإيمان ذنب.
ويُسمي أهل السنة والجماعة مرتكب الكبيرة فاسقًا وهو مُستحقٌ للعقاب تحت المشيئة والإرادة. والخلاف بين أهل السنة والوعيدية هو خلاف حقيقي.
الوعيدية: من ارتكب كبيرة فهو مُخلدٌ في النار إلا أن يتوب، ورأيهم فيه أنه كالكافر.
القاعدة العامة: مرتكب الكبيرة عند أهل السنة والجماعة هو تحت المشيئة والإرادة إن شاء الله غفر له وإن شاء عذبه حتى وإن مات وهو مصر على الكبيرة وهذا الحكم في حال عدم توبته أما إذا تاب فإن التوبة تجب ما قبلها. كما قال عليه الصلاة والسلام لعمر ابن العاص عندما جاء للنبي يريد أن يُسلم، فلما بسط النبيُ صلى الله عليه وسلم يده إليه ليبايعه، قبض عمر ابن العاص يده، فقال له النبي عليه الصلاة والسلام: مالك يا عمر فقال: إني أريد أن أشترط وقال أُريد أن يغفر الله لي ما كان من ذنب سابق، فقال النبي عليه الصلاة والسلام: أما علمت يا عمر أن الإسلام يهدم ما كان قبله وأن التوبة تهدم ما كان قبلها وأن الهجرة تهدم ما كان قبلها؟ وجاء في صحيح مسلم كذلك: وأن الحج يهدم ما كان قبله.
(1) النساء 84.