ج) وقد يكون الغلو متعلقًا بالحكم على الآخرين: حيث يقف من بعض الناس موقف المادح الغالي، ويقف من آخرين موقف الذام الجافي ويصفهم بما لا يلزمهم شرعًا، كالفسق أو المروق من الدين.
ثانيًا: أن الغلو في حقيقته حركة في اتجاه الأحكام الشرعية:
ولكن هذه الحركة في الحقيقة تتجاوز في مداها في الحدود التي شرعها الله، فهو مبالغة في الالتزام بالدين، وليس مروقًا عنه في الحقيقة.
ثالثًا: أن الغلو ليس هو الفعل فقط، بل قد يكون تركًا:
فترك الحلال، كالنوم والأكل ونحوه، من أنواع الغلو إذا كان على سبيل العبادة والتقرب إلى الله.
فعن ابن عباس قال، بينما النبي صلى الله عليه وسلم يخطب إذا هو برجل قائم فسأل عنه فقالوا أبو إسرائيل نذر أن يقوم ولا يقعد ولا يستظل ولا يتكلم ويصوم فقال النبي صلى الله عليه وسلم مره فليتكلم وليستظل وليقعد وليتم صومه. رواه البخاري.
والمقصود أن الفرقة الناجية وسط في باب العبادة بين أهل الغلو وأهل التقصير، وهذا هو الصراط المستقيم الذي أمر الله عباده باتباعه، فكما أن الغلو مذموم فكذلك التفريط مذموم، يقول تعالى:"فخلف من بعدهم خلف أضاعوا الصلاة واتبعوا الشهوات فسوف يلقون غيا".
ذلك أن منهج الفرقة الناجية مستمد من منهج القرآن الكريم في عرض الأخلاق الإسلامية، وغرسها في النفس البشرية، فمن ذلك:
أ) أن القرآن الكريم لم يفصل بين الدين والخلق، بل إن خلق المرء حقيقية هو دينه، يقول ابن القيم:"الخلق هو الدين"، فلذلك نجد أن القرآن يعرض الأخلاق ممزوجة بالعقائد والعبادات جميعها في سلك واحد، ينتظم منه عقد جميل يوضح لنا صفات المؤمن التقي، كما قال تعالى:"ليس البر أن تولوا وجوهكم قبل المشرق والمغرب ولكن البر من آمن بالله واليوم الآخر والملائكة والكتاب والنبيين وآتى المال على حبه ذوي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل والسائلين وفي الرقاب وأقام الصلاة وآتى الزكاة والموفون بعهدهم إذا عاهدوا والصابرين في البأساء والضراء وحين البأس أولئك الذين صدقوا وأولئك هم المتقون" [1]
ب) إن منهج القرآن في الأخلاق واقعي يراعي الطاقة المتوسطة المقدورة لجماهير الناس، فاعترف بالضعف البشري والغرائز الإنسانية نفسية أو مادية، ولم يوجب القرآن ولا السنة النبوية على من يريد الدخول في الإسلام أن يتخلى عن ثروته، كما يروي الإنجيل عن المسيح أنه قال لمن أراد اتباعه: بع مالك واتبعني، ولا قال القرآن ما قال الإنجيل:"إن الغني لا يدخل ملكوت السماوات حتى يدخل الجمل في سم الخياط"، بل القرآن راعى حاجة الفرد والمجتمع إلى المال، فاعتبره قوامًا للحياة، وأمر بتنميته والمحافظة عليه،
(1) البقرة 771.