فهرس الكتاب

الصفحة 91 من 261

وإما أن لا يراه حجة للعبد فإن كان القدر حجة للعبد فهو حجة لجميع الناس فإنهم كلهم مشتركون في القدر فحين إذن يلزم ألا يُنكر على من يظلمه ويشتمه ويأخذ ماله ويُفسد حريمه ويضرب عنقه ويُهلك الحرث والنسل وهؤلاء جميعًا كذابون متناقضون فإن أحدهم لا يزال يذم هذا ويبغض هذا ويُخالف هذا حتى إن الذي يُنكر عليهم يبغضونه ويُعادونه ويُنكرون عليه، فإن كان القدر حجة لمن فعل المحرمات وترك الواجبات لزمهم ألا يذموا أحدًا ولا يُبغضوا أحدا ولا يقولوا في أحد إنه ظالمٌ ولو فعل ما فعل ومعلوم أن هذا لا يُمكن أحدًا فعله ولو فعل الناس هذا لهلك العالم فتبين أن قولهم فاسدٌ في العقل كما أنه كفرٌ في الشرع. انتهى كلامه.

2 -أن يُقال إن الله سبحانه وتعالى خلق الإنسان وهو متمكن من الإيمان قادرٌ عليه وكما هو معلوم أن القدرة التي هي شرطٌ في الأمر تكون موجودة قبل الفعل لكل مكلف ومن ثم فإن الإنسان قادرٌ متمكن وقد خلق الله فيه القدرة على الإيمان فحين لا يؤمن يكون هو الذي اختار لنفسه ذلك بمحض إرادته، وما دام الأمر كذلك فليس لأحد أن يقول لماذا لم يجعلني الله مريدًا للإيمان لأنه لو أراد الإيمان لقدر عليه.

3 -أقرب مثال على بُطلان الاحتجاج بالقدر أن يُقال: إذا كان معلومًا أن الله قد علم وكتب أن فُلانًا يتزوج امرأة ويطأها ويُولد له وأن فلانًا يبذر البذر فينبت الزرع ولا يمكن لأحد أن يحتج بالقدر هنا فيقول أنا لا أتزوج أو لا أطأ امرأة فإن كان الله قد قدر أن يولد لي ولد فإنه سيُولد لي ولد أو يقول أنا لا أبذر البذر فإن كان الله قدر أن تُنبت أرضي زرعًا فستُنبت، فمثل ذلك يُعلم أن من قال نقول أن الله تعالى علم وكتب أن فلانًا يؤمن ويعمل صالحًا فيدخل الجنة وفُلانا يعصي الله ويفسق فيدخل النار وحين إذن فمن قال إن كنت من أهل الجنة فأنا سأدخلها بلا عمل صالح. ونقول أن هذا القول لا يمكن أن يقول به عاقل.

مسألة: إذا كنا نقول لا يصح الاحتجاج بالقضاء والقدر على فعل المعاصي فما الجواب عن ما ثبت في الصحيحين من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"احتج آدم وموسى فقال موسى لآدم أنت أبونا خيبتنا وأخرجتنا من الجنة فقال آدم يا موسى اصطفاك الله بكلامه وخط لك التوراة بيده أتلومني على أمر قد قدره الله علي قبل أن يخلقني؟ قال عليه الصلاة والسلام فحج آدم موسى فحج آدم موسى"

الجواب عن هذا الحديث من وجهين:

الوجه الأول: إن آدم لم يحتج بالقدر على الذنب بل إن آحاد بنيه من المؤمنين لا يحتج بالقدر فآدم أعلم من أن يحتج بالقدر على فعل المعصية وموسى أعلم من أن يلوم أبيه على ذنب قد تاب منه وتاب الله تعالى عليه

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت