وعليه فنقول إن الكلام بتحديد الفرق أو عدها لا دليل عليه والأصح أن نقول إنها موصوفة بالوصف فمن خالف منهج أهل السنة والجماعة فهو من إحدى الفرق الإثنتي وسبعين.
نقول إن المتأمل في هذا الحديث يلحظ الفارق بين فقه الصحابة وفقه من بعدهم، فالصحابة رضوان الله عليهم كانت عنايتهم بمعرفة الفرقة الناجية وصفاتها للتشبه بها، ولهذا سألوا النبي عن صفة تلك الفرقة، وكان السائل عمر بن الخطاب كما حاء مصرحًا به في رواية جابر، أما من بعدهم فقد شغلوا بالفرق الهالكة.
والعلم بالفرق المنحرفة أمر مطلوب شرعًا، ولذلك كان حذيفة رضي الله عنه يقول: كان الناس يسألون رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الخير وكنت أسأله عن الشر مخافة أن أقع فيه.
ويقول الشاعر:
عرفت الشر لا للشر ولكن لأتقيه ومن لا يعرف الخير من الشر يقع فيه.
إلان الواجب على المسلم أن يعرف من طرق أهل الضلال الأصول التي ينطلقون منها والمناهج التي يسلكونها ومعرفة أسباب زيغها وانحرافها والرد عليها وبيان فسادها أما التعمق في أقاويلها وتفصيلاتها والفروق الدقيقة بينها فلم يُكلفنا الله به.
للإجابة عن هذا السؤال لابد من بيان عدة نقاط:
أولًا: قوله عليه الصلاة والسلام:"وستفترق هذه الأمة"هل المراد هنا أمة الدعوة أم أمة الإجابة؟
أمة الدعوة: كل من كُلف باتباع النبي صلى الله عليه وسلم من الثقلين سواء آمن به أولم يؤمن به، فكل من كان موجودًا من بعثة النبي صلى الله عليه وسلم فهو مكلف باتباعه.
وأمة الإجابة: كل من انتسب إلى الإسلام وإن كان مرتكبًا للبدعة (وإن كانت مكفرة) .
فالمراد بقوله"وستفترق هذه الأمة"أمة الإجابة، ففِرق النصارى واليهود لا تدخل في هذه الفرق.
ثانيًا: قوله عليه الصلاة والسلام:"كلها في النار إلا واحدة"، هذه الجملة دليل على أن هذه الفرق ضالة مجانبة للحق ومستحقة للوعيد بالنار وهذا لا خلاف فيه بين أمر العلم.
ثالثًا: نقول إن الحديث لا دلالة فيه على التكفير أو أن هذه الفرق مخلدة في النار لأن الوعيد بالنار لا يقتضي الخلود فيها، فالكلام في البدع كالكلام في الكبائر وقد توعد النبي صلى الله عليه وسلم بالنار على كثير من الذنوب التي لا يختلف أهل الحق على عدم التكفير بمجردها كالقتل وإباق العبد من مواليه وقتال المسلم والرغبة عن الآباء.