وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم ونحن نتنازع في القدر، فغضب حتى احمر وجهه حتى كأنما فقه في وجنتيه الرمان، فقال:"أبهذا أُمرتم أم بهذا أُرسلت إليكم، إنما هلك من كان قبلكم حين تنازعوا في هذا الأمر، عزمت عليكم ألا تتنازعوا فيه"أي أمرتكم.
فالنبي يحذر أمته من الخوض في هذه المسألة العظيمة، ولذلك غضب عندما تنازع فيها أصحابه وقد توجس أنه سيكون إنشقاق وتنازع في أمته في القدر ولذلك سمى القدرية مجوس الأمة والقدرية المراد بهم الذين ينكرون القدر لأنهم نسبوا القدر إلى أنفسهم ولم ينسبوه إلى الله.
فهذه أول إشارة في الإسلام إلى وجود الانشقاق والاختلاف في مسألة القدر أشار إليها النبي عليه الصلاة والسلام، لكن على عهد النبي لم يظهر أحد من المسلمين يُخالف في أمر القدر لأنهم كانوا يتلقون العلم منه صلى الله عليه وسلم وكان الناس أمة واحدة. لكن بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم، ظهر القول بالقدر، فقد نشأت القدرية الأولى على عهد كبار الصحابة رضوان الله عليهم.
القدرية الأولى: هم الذين أنكروا جميع مراتب القدر ويُسمون الغلاة، فهم ينكرون العلم والكتابة والمشيئة والخلق، فقالوا إن الله لا يعلم ما سيكون ولم يكتب ما سيكون ومن باب أولى أنهم أنكروا المشيئة والخلق وقالوا إن الله لم يشأ ما فعله العباد ولم يخلق أفعالهم. لكن هؤلاء اندثروا ولم يبق منهم أحد فيما ذكره أهل العلم وإنما الذي بقي هم القدرية المتأخرون وهم الذين ينكرون العلم والكتابة ويثبتون المشيئة والخلق.
كان موقف الصحابة بالنسبة لعقيدة القضاء والقدر هو التسليم والإيمان به على الوجه الحق، كما بينه لهم الرسول صلى الله عليه وسلم، لكن سجلت على عهدهم بعض الوقائع حول القدر على وجه الاستشكال لا على وجه الاعتراض، كما سجلت وقائع تدل على ظهور بذرة القول بالقدر على عهدهم، فمن ذلك:
1 -ما روى أبو الأسود الديلي قال قال لي عمران بن الحصين أرأيت ما يعمل الناس اليوم ويكدحون فيه أشيء قضي عليهم ومضى عليهم من قدر ما سبق أو فيما يستقبلون به مما أتاهم به نبيهم وثبتت الحجة عليهم فقلت بل شيء قضي عليهم ومضى عليهم قال فقال أفلا يكون ظلما قال ففزعت من ذلك فزعا شديدا وقلت كل شيء خلق الله وملك يده فلا يسأل عما يفعل وهم يسألون فقال لي يرحمك الله إني لم أرد بما سألتك إلا لأحزر عقلك إن رجلين من مزينة أتيا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالا يا رسول الله أرأيت ما يعمل الناس اليوم ويكدحون فيه أشيء قضي عليهم ومضى فيهم من قدر قد سبق أو فيما يستقبلون به مما أتاهم به نبيهم وثبتت الحجة