القول الثاني: إن أفعال العباد ليست مخلوقة لله وإنما العباد هم الخالقون لها وقال بهذا القول المعتزلة والقدرية وكثير من العقلانيين المعاصرين، فهم أنكروا مرتبتي المشيئة والخلق (خلق أفعال العباد) ، ولهذا ألف الإمام البخاري كتابًا سماه (خلق أفعال العباد) .
القول الثالث: قول الأشاعرة والماتريدية، وهؤلاء كلهم يقولون: إن الله تعالى خالق أفعال العباد، وهم بهذا الأصل خالفوا المعتزلة القائلين بأن الله لايخلق أفعال العباد، ولكنهم في الجانب الثاني من قضية خلق أفعال العباد وهو جانب تعلق أفعال العباد بهم، وهل هم الفاعلون لها؟ فإنهم يقولون إن أفعال العباد الاختيارية واقعة بقدرة الله تعالى وحدها وليس لقدرتهم تأثير فيها بل الله سبحانه أجرى عادته بأن يوجد الفعل مقارنًا لقدرة العبد، فالفعل يوجد عند قدرة العبد (أي مقارنًا لها) وليس بقدرة العبد، فقدرة العبد ليس لها أي تأثير في الفعل، وإنما يوجد الفعل عندها.
فأفعال العباد عند الأشاعرة والماتريدية كلها مخلوقة لله وهي كسب العباد أي أن الفعل مخلوق لله إبداعًا وإحداثًا ومكسوبًا للعبد، والمراد بكسبه إياه: مقارنته لقدرته وإرادته من غير أن يكون هناك منه تأثير أو مدخل في وجوده سوى كونه مجلًا له.
ويضرب بعضهم للكسب مثلًا: في الحجر الكبير قد يعجز الرجل عن حمله ويقدر آخر على حمله منفردًا، إذا اجتمعا جميعًا على حمله كان حصول الحمل بأقواهما، ولا خرج بذلك أضعفهما من كونه حاملًا، كذلك العبد لايقدر على الانفراد بفعله، ولو أراد الله الانفراد بإحداث ما هو كسب للعبد قدر عليه ووجد مقدوره فوجوده في الحقيقة بقدرة الله تعالى ولايخرج بذلك المكتسب عن كونه فاعلًا.
وكسب الأشعري هذا لغموضه هو الذي قيل فيه: ثلاثة لاحقيقة لها، ومنها كسب الأشعري، وقد دار حوله نقاش طويل ولم ينته الأشاعرة فيه إلى قول مستقيم
أولًا: شبه الجبرية:
1 -عموم الآيات التي تدل على أن الله خالق كل شيء، ومن ذلك أفعال العباد مثل قوله تعالى:"الله خالق كل شيء وهو على كل شيء وكيل" [1] وقوله أيضًا:"ذلكم الله ربكم خالق كل شيء لا إله إلا هو فأنى تؤفكون" [2] .
(1) الزمر 26.
(2) غافر 26.