ذلك أن المعاصي منها صغائر ومنها كبائر، ويعرف ذلك بكونها واقعة في الضروريات أو الحاجيات أو التحسينات، فإن كانت في الضروريات فهي أعظم الكبائر، وإن وقعت في التحسينات فهي أدنى رتبة بلا إشكال، وإن وقعت في الحاجيات فمتوسطة بين الرتبتين ; لقوله تعالى: {الذين يجتنبون كبائر الإثم والفواحش إلا اللمم} وقوله: {إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم وندخلكم مدخلا كريما} ، وإذا كانت ليست رتبة واحدة فالبدع من جملة المعاصي، وقد ثبت التفاوت في المعاصي، فكذلك يتصور مثله في البدع، فمنها ما يقع في الضروريات، ومنها ما يقع في رتبة الحاجيات، ومنها ما يقع في رتبة التحسينات.
الأول: ألا يداوم عليها، فإن الصغيرة من المعاصي لمن داوم عليها تكبر بالنسبة إليه ; لأن ذلك ناشئ عن الإصرار عليها، والإصرار على الصغيرة يصيرها كبيرة، ولذلك قالوا: لا صغيرة مع إصرار، ولا كبيرة مع استغفار، فكذلك البدعة من غير فرق.
الثاني: ألا يدعو إليها. فإذا ابتلي إنسان ببدعة فدعا إليها تحمل وزرها وأوزار الآخرين معه، مصداقا لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: {من سن سنة سيئة فعليه وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة} .
الثالث: ألا يجاهر بها: كأن يفعلها في الأماكن العامة التي يجتمع فيها الناس، أو المواضع التي تقام فيها السنن، وتظهر فيها أعلام الشريعة، وألا يكون ممن يقتدى به أو يحسن به الظن، فإن العوام يقتدون - بغير نظر - بالموثوق بهم أو بمن يحسنون الظن به، فتعم البلوى ويسهل على الناس ارتكابها.
الفرق بين البدعة والمصلحة المرسلة:
المصلحة المرسلة اصطلاحا: هي أن يناط الأمر باعتبار مناسب لم يدل الشرع على اعتباره ولا إلغائه إلا أنه ملائم لتصرفات الشرع.
فالفرق بين المصلحة المرسلة والبدعة أن المصلحة المرسلة لايقصد من استحداثها التعبد بها بذاتها بخلاف البدعة فإنه يقصد منها التعبد لله.
1 -المعصية سببها داء الشهوة، أما البدعة فسببها داء الشبهة،
2 -ولهذا فإن مرتكب المعصية قصده نيل غرضه وشهوته وهو يؤمل رحمة الله وعفوه لأنه لايعتقد إباحتها، أما المبتدع ففي ذهنه أن بدعته تلك من الشرع، فهو مستحل لها.
ولهذا كانت البدعة أعظم من المعصية لما تشتمل عليه من المجاهرة لله في المعصية.
دواعي البدعة وأسبابها: