الدليل السادس: أنه ثبت بالكتاب والسنة والاجماع ان من الخطأ في الدين ما لا يكفر مخالفه بل ولا يفسق بل ولا يأثم مثل الخطأ في الفروع العملية كما ثبت في الصحاح من حديث عمرو بن العاص وأبي هريرة عن النبي أنه قال ... إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله اجران وإذا اجتهد فأخطا فله أجر.
ومع ذلك فلم يقل أحد بتكفير المجتهدين المتنازعين فيها ومع ذلك فبعض هذه المسائل قد ثبت خطأ المنازع فيها بالنصوص والاجماع القديم مثل استحلال بعض السلف والخلف لبعض أنواع الربا واستحلال آخرين لبعض أنواع الخمر واستحلال آخرين للقتال في الفتنة.
فهذا يعذر لجهله، حيث لم تقم عليه الحجة.
يقول ابن تيمية: إن السلف كان اعتصامهم بالقرآن والسنة ... فلما طال الزمان خفى على كثير من الناس ما كان ظاهرا لهم ودق على كثير من الناس ما كان جليا لهم فكثر من المتأخرين مخالفة الكتاب والسنة ما لم يكن مثل هذا في السلف وإن كانوا مع هذا مجتهدين معذورين يغفر الله لهم خطاياهم ويثبتهم على اجتهادهم وقد يكون لهم من الحسنات ما يكون للعامل منهم أجر خمسين رجلا يعملها في ذلك الزمان لأنهم كانوا يجدون من يعينهم على ذلك وهؤلاء المتأخرون لم يجدوا من يعينهم على ذلك لكن تضعيف الاجر لهم في أمور لم يضعف للصحابة لا يلزم أن يكونوا أفضل من الصحابة فان الذى سبق اليه الصحابة من الايمان والجهاد ومعاداة أهل الأرض في موالاة الرسول وتصديقه وطاعته فيما يخبر به ويوجبه قبل أن تنتشر دعوته وتظهر كلمته وتكثر أعوانه وأنصاره وتنتشر دلائل نبوته بل مع قلة المؤمنين وكثرة الكافرين والمنافقين وانفاق المؤمنين أموالهم في سبيل الله ابتغاء وجهه في مثل تلك الحال أمر ما بقى يحصل مثله لأحد.
ويقول أيضًا: ولا ريب أن الخطأ في دقيق العلم مغفور للأمة وإن كان ذلك في المسائل العلمية ولولا ذلك لهلك اكثر فضلاء الأمةوإذا كان الله يغفرلمن جهل تحريم الخمر لكونه نشأ بأرض جهل مع كونة لم يطلب العلم فالفاضل المجتهد في طلب العلم بحسب ما أدركه في زمانه ومكانه إذا كان مقصوده متابعة الرسول بحسب إمكانه هو أحق بأن يتقبل الله حسناته ويثيبه على اجتهاداته ولا يؤاخذه بما أخطأ تحقيقا لقوله ربنا لا تؤخذنا إن نسينا أو أخطأنا. مجموع الفتاوى ج: 20 ص: 166
ثالثًا: المتعدي الظالم:
وهو من يأثم ببدعته، ولايصل به الأمر إلى الكفر،
وضابط هؤلاء كما يقول ابن تيمية: أن من كان خطؤه لتفريطه فيما يجب عليه من اتباع القرآن والإيمان مثلا أو لتعديه حدود الله بسلوك السبل التي نهى عنها أو لاتباع هواه بغير هدى من الله فهوالظالم لنفسه وهو من أهل الوعيد بخلاف المجتهد في طاعة الله ورسوله باطنا وظاهرا الذي يطلب الحق باجتهاده كما أمره الله ورسوله فهذا مغفور له خطؤه.