أحدهما: متعلق بالله تعالى وهو الايمان بأنه على كل شئ قدير
والثانى: متعلق باليوم الآخر وهو الايمان بأن الله يعيد هذا الميت ويجزيه على أعماله
ومع هذا فلما كان مؤمنا بالله في الجملة ومؤمنا باليوم الآخر في الجملة وهو أن الله يثيب ويعاقب بعد الموت وقد عمل عملا صالحا وهو خوفه من الله أن يعاقبه على ذنوبه غفر الله له بما كان منه من الايمان بالله واليوم الآخر والعمل الصالح.
الدليل الثالث: ماثبت في الصحيح عن النبى صلى الله عليه وسلم ان الله يخرج من النار من كان في قلبه مثقال حبة من خردل من إيمان وفى رواية من خير.
وهذا وأمثاله من النصوص المستفيضة عن النبى يدل انه لا يخلد في النار من معه شئ من الايمان والخير وان كان قليلا وان الايمان مما يتبعض ويتجزأ ومعلوم قطعا ان كثيرا من هؤلاء المخطئين معهم مقدار ما من الايمان بالله ورسوله اذ الكلام فيمن يكون كذلك.
الدليل الرابع: ان السلف اخطأ كثير منهم في كثير من هذه المسائل واتفقوا على عدم التكفير بذلك مثل ما أنكر بعض الصحابة أن يكون الميت يسمع نداء الحى، وأنكر بعضهم ان يكون المعراج يقظة، وأنكر بعضهم رؤية محمد ربه، ولبعضهم في الخلافة والتفضيل كلام معروف، وكذلك لبعضهم في قتال بعض ولعن بعض واطلاق تكفير بعض أقوال معروفة، وكان القاضى شريح ينكر قراءة من قرأ بل عجبت ويقول إن الله لا يعجب فبلغ ذلك إبراهيم النخعى فقال إنما شريح شاعر يعجبه علمه كان عبدالله أفقه منه فكان يقول ... بل عجبت ... فهذا قد أنكر قراءة ثابتة وأنكر صفة دل عليها الكتاب والسنة واتفقت الأمة على انه إمام من الأئمة، وكذلك بعض السلف أنكر بعضهم حروف القرآن مثل إنكار بعضهم قوله أفلم ييأس الذين آمنوا وقال انما هى أو لم يتبين الذين آمنوا وهذا خطأ معلوم بالاجماع والنقل المتواتر ومع هذا فلما لم يكن قد تواتر النقل عندهم بذلك لم يكفروا وان كان يكفر بذلك من قامت عليه الحجة بالنقل المتواتر.
الدليل الخامس: إن الكتاب والسنة قد دل على ان الله لا يعذب أحدا إلا بعد إبلاغ الرسالة فمن لم تبلغه جملة لم يعذبه رأسا ومن بلغته جملة دون بعض التفصيل لم يعذبه إلا على إنكار ما قامت عليه الحجة الرسالية ... وذلك مثل قوله تعالى وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا ... وقوله ... وما كان ربك مهلك القرى حتى يبعث في أمها رسولا يتلو عليهم آياتنا .. فمن كان قدم آمن بالله ورسوله ولم يعلم بعض ما جاء به الرسول فلم يؤمن به تفصيلا اما أنه لم يسمعه أو سمعه من طريق لا يجب التصديق بها أو اعتقد معنى آخر لنوع من التأويل الذى يعذر به فهذا قد جعل فيه من الايمان بالله وبرسوله ما يوجب أن يثيبه الله عليه وما لم يؤمن به فلم تقم عليه به الحجة التى يكفر مخالفها