قلت: فإن لم يكن لهم جماعة ولا إمام
قال: فاعتزل تلك الفرق كلها ولو أن تعض بأصل شجرة حتى يدركك الموت وأنت على ذلك.
فالفرقة الناجية وسط في أمور الدين كلها، ولا وكس ولا شطط، فكما أن هذه الأمة وسط بين الأمم كما قال تعالى:"وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس ..."، فكذلك الفرقة الناجية (أهل السنة والجماعة) وسط بين الفرق الضالة كلها، فهم وسط بين المُفرط والمفرّط في أبواب الدين كلها.
والوسط في اللغة: العدل، والخيار، كما قال الشاعر:
هم وسط يرضى الأنام بحكمهم إذا نزلت إحدى الليالي ععظم.
يقول رشيد رضا:"قالوا: إن الوسط هو العدل والخيار، وذلك أن الزيادة على الأمر في المطلوب إفراط، والنقص عنه تفريط وتقصير، فالخيار هو الوسط بين طرفي الأمر، أي المتوسط بينهما"انتهى كلامه.
ويقول د. زيد الزيد في كتابه الوسطية في الإسلام:"الوسط من كل شيء أعدله، فالوسط إذن ليس مجرد كونه نقطة بين طرفين أو وسطية جزئية، كما يقال: فلان وسط في كرمه أو وسط في دراسته ويُراد أنه الوسط بين الجيد والرويء، فهذا المفهوم وإن درج عند كثير من الناس فهو فهم ناقص، أدى إلى إساءة فهم معنى الوسطية المقصودة."
وعلى هذا فالوسط المراد والمقصود هنا هو العدل والخيار والأفضل. إلى أن قال: وبالتالي لم يبق معنى الوسطية مجرد التجاور بين الشيئين فقط، بل أصبح ذا مدلول أعظم، ألا وهو البحث عن الحقيقة وتحصيلها والاستفادة منها. إلى أن قال: وهو معنى يتسع ليشمل كل خصلة محمودة لها طرفان مذمومان"انتهى كلامه."
وتظهر وسطية الفرقة الناجية في أبواب الدين كلها، فمن ذلك:
مظاهر وسطية الفرقة الناجية
الفرقة الناجية (أهل السنة والجماعة) وسط في باب أسماء الله والصفات بين المعطلة والمشبهة.
فالمعطلة: نفوا أسماء الله وصفاته، أو بعضًا منها، بحجة أن إثباتها يستلزم تشبيه الله بخلقه، وهذا باطل.
والمشبهة: بالغوا في إثبات الصفات لله، حتى شبهوا صفات الله بصفات خلقه، ومنهم من شبه الخلق ببعض صفات الله.
أما الفرقة الناجية، فاختارت طريق الوسط، فهي تُثبت لله أسمائه الحسنى وصفاته العلى الواردة في القرآن والسنة من غير تشبيه ولا تعطيل ولا تكييف ولا تمثيل، عملًا بقوله تعالى:"ليس كمثله شيء وهو السميع"