وقد تجتمع هذه الأقوال في حال من الأحوال بحيث تصبح الجماعة المبايعة لإمام متفقة عليه ملتزمة بالإسلام التزاما صحيحا، كما كان عليه النبي وأصحابه.، فهنا يجتمع معنى الجماعة مع معنى"ما أنا عليه وأصحابي"، فقد كان صلى الله عليه وسلم هم الجماعة بالمعنى الشامل الكامل من الناحيتين النظرية والعملية.
وإذا كان الصحابة قد حققوا هذه الصورة العظيمة التي كان فيها الحق هو المهيمن الحاكم، وبه يدين المؤمنون جميعا، فإن الأجيال التي جاءت وتجيء بعدهم قد تحقق صورة شبيهة بلك الصورة المثالية، فيوجد السلطان والقرآن والأتباع في جماعة شرعية واحدة يحكمها إمام شرعي يحكم بالكتاب والسنة.
وقد تتحقق أجزاء من تلك الصورة، فقد يوجد إمام مسلم منحرف، لكن يوجد من أهل العلم من ينابذون هذا الانحراف ويدعون الناس إلى الكتاب والسنة، وحديث الافتراق يلزم المسلم أن يحقق من صفات الفرقة الناجية في نفسه ما يستطيع، فإن وجد الجماعة والإمام لزمهم وإن وجد الإمام المخالف للسنة لزمه طاعته في طاعة الله وخالفه في انحرافه وبدعته و وإن وجد جماعة من أهل العلم لزمهم واتبعهم، وإن لم يجد هذا ولا ذاك لزمه أن يدعو إلى الحق بنفسه فإن لم يطق اعتزل الفرق الضالة المنحرفة.
ولا يعني انتشار الفرق الضالة والانحرافات أن تكون هي السواد الأعظم الذي يجب اتباعه، بل إن الحق يعرف بمنهجه لا بعدد رجاله، ولهذا سمى الله تعالى إبراهيم أمة، مع أنه واحد، لأنه كان على الحق، فقال سبحانه: إن إيراهيم كان أمة قانتًا لله حنيفا ولم يك من المشركين""
يدل على ذلك ما ثبت في الصحيحين عن حذيفة بن اليمان رضي الله عنه قال: كان الناس يسألون رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الخير وكنت أسأله عن الشر مخافة أن يدركني فقلت يا رسول الله إنا كنا في جاهلية وشر فجاءنا الله بهذا الخير فهل بعد هذا الخير من شر؟
قال: نعم
قلت: وهل بعد ذلك الشر من خير؟
قال: نعم وفيه دخن
قلت: وما دخنه؟
قال: قوم يهدون بغير هديي تعرف منهم وتنكر
قلت: فهل بعد ذلك الخير من شر؟
قال: نعم دعاة إلى أبواب جهنم من أجابهم إليها قذفوه فيها
قلت: يا رسول الله صفهم لنا
فقال: هم من جلدتنا ويتكلمون بألسنتنا
قلت: فما تأمرني إن أدركني ذلك؟
قال تلزم جماعة المسلمين وإمامهم