الوجه الثاني: أن يُقال إن القول في الصفات كالقول في الذات فكما أنكم (يا أهل التعطيل) تثبتون لله ذاتًا لا تماثل ذوات المخلوقين فيلزمكم أن تثبتوا لله صفات لا تماثل صفات المخلوقين.
الوجه الثالث: أن القول في بعض الصفات كالقول في بعض فإذا كنتم تثبتون لله بعض الصفات على وجه لا يماثل المخلوقين فيلزمكم أن تثبتوا كل الصفات لله تعالى على وجه لا يماثل صفات المخلوقين لأن القول في بعض الصفات كالقول في بعض.
الوجه الرابع: أن يُقال أن الله تعالى قد أخبر عن أمور غيبية لا نعلم إلا إسمها ومعناها أما حقيقتها فهي مجهولة لنا ومع ذلك فإن إثباتها لا يستلزم مماثلتها للأمور الموافقة لها في الإسم مما هم محسوس لنا، مثل ما أخبر الله تعالى عنه أن في الجنة طعام ولبن ونخل .. إلى آخره، فهل هذه الأشياء مثل الأشياء في الدنيا؟ لا، فهي تتفق فقط في الإسم والمعنى وكذلك صفات الله تعالى التي هي غيب بالنسبة لنا تتفق مع صفات الآدميين بالإسم والمعنى فقط أما الكيفية فلا نعرفها وهذا لا يقتضي المماثلة.
الشبهة الثانية: قالوا إن إثبات الصفات يستلزم التشبيه لأنه لا يوجد شيء متصف بالصفات إلا جسم، والأجسام متماثلة، فإثبات الصفات يستلزم التشبيه.
الرد على هذه الشبه من عدة أوجه:
الوجه الأول: أن قولهم لا يوجد شيء متصف بالصفات إلا وهو جسم، هو قول ممنوع"غير صحيح"، فإننا نجد من الأشياء ما يصح أن يوصف وليس بجسم. فإنه يُقال: ليلٌ طويل، ونهارٌ قصير، وبردٌ شديد، فهل لليل جسم أو للنهار!
الوجه الثاني: قولهم أن الأجسام متماثلة، باطل، فإن تفاوت الأجسام ظاهر لا يمكن إنكاره، فإن المخلوقات تتفاوت تفاوتًا بينا.
الوجه الثالث: أنه يلزم من قولهم ذلك ألا يتصف الله بصفات الكمال ومن لا يتصف بصفات الكمال لا يصلح أن يكون ربًا أو إلهًا، ولهذا عاب الله تعالى آلهة المشركين بأنها لا تنفع ولا تضر ولا تسمع ولا تبصر، وعاب إبراهيم عليه الصلاة والسلام على أبيه أنه يعبد آلهةً ليس لها صفات الكمال، قال تعالى على لسان إبراهيم:"يا أبت لم تعبد ما لا يسمع ولا يبصر ولا يغني عنك شيئا".
الوجه الرابع: إن القول بأن أسماء الله تعالى أعلام محضة لا تدل على الصفات وإنما تدل على ذات الإله فقط، هو قولٌ باطل، لأن نصوص الكتاب والسنة تدل على أن كل اسم من أسماء الله له معنى يخصه، ولهذا يختم الله تعالى آيات الرحمة بأسمائه الرحمن الرحيم، والغفور الرحيم، ويختم آيات الوعيد بأسمائه العزيز الحكيم القوي .. إلى آخره.
فعندهم أن معنى اسمه الرحمن هو نفس معنى العزيز.