فهرس الكتاب

الصفحة 217 من 261

والذي ينبغي التنبيه إليه أن تلك الحوادث لاتعد بداية للتصوف ولا امتدادًا له لأنها نزعات فردية لم تأخذ الطابع الجماعي، ولم يقم هؤلاء بالدعوةإليها، كما أن اصحابها لم يزيدوا على الغلو في الجانب السلوكي فقط، فلم تظهر البدع الاعتقادية التي يقوم عليها الفكر الصوفي، وهو الجانب الأهم في عقيدة الصوفية.

وقد نسبت إلى بعض هؤلاء قصص لاتثبت عنهم، محاولة لجعل هؤلاء الأئمة هم الطبقات المتقدمة من الصوفية، فمن ذلك ما ذكره صاحب طبقات الصوفية أبو عبدالرحمن السلمي المتوفي سنة 412 هـ والذي لفق حكايات الصوفية ووضعها على ألسنة المشايخ السابقين حتى إنه جعل إبراهيم بن أدهم رائدًا ومؤسسًا لبدايات هذا الفكر ..

روى أبو عبدالرحمن السلمي:"عن إبراهيم بن بشار قال: صحبت إبراهيم بن أدهم بالشام، أنا وأبو يوسف الغسولي، وأبو عبدالله السنجاري، فقلت: يا أبا إسحاق! خبرني عن بدء أمرك كيف كان؟ قال: كان أبي من ملوك خراسان، وكنت شابًا فركبت إلى الصيد، فخرجت يومًا على دابة لي، ومعي كلب، فأثرت أرنبًا أو ثعلبًا، فبينما أنا أطلبه، إذ هتف بي هاتف لا أراه، فقال: يا إبراهيم: ألهذا خلقت؟ أم بهذا أمرت؟ ففزعت، ووقفت، ثم عدت فركضت الثانية، ففعل بي مثل ذلك ثلاث مرات، ثم هتف بي هاتف من قربوس (قربوس: كحلزون، حنو السرج ومنعطفه، وهما قربوسان) السرج: والله ما لهذا خلقت، ولا بهذا أمرت. قال: فنزلت فصادفت راعيًا لأبي يرعى الغنم، فأخذت جبته الصوف، فلبستها ودفعت إليه الفرس، وما كان معي، وتوجهت إلى مكة فبينما أنا في البادية، إذ أنا برجل يسير ليس معه إناء ولا زاد، فلما أمسى وصلى المغرب، حرك شفتيه بكلام لم أفهمه، فإذا أنا بإناء فيه طعام، وإناء فيه شراب، فأكلت وشرب، وكنت معه على هذا أيامًا، وعلمني"اسم الله الأعظم"ثم غاب عني وبقيت وحدي، فبينما أنا ذات يوم مستوحش من الوحدة، دعوت الله به، فإذا أنا بشخص آخذ بحجزتي وقال: سل تعطه!! فراعني قوله، فقال: لا روع عليك أنا أخوك الخضر، إن أخي داود علمك اسم الله الأعظم، فلا تدعو به على أحد بينك وبينه شحناء، فتهلكه هلاك الدنيا والآخرة، ولكن ادعُ الله أن يشجع به جبنك ويقوي به ضعفك، ويؤنس به وحشتك، ويجدد في كل ساعة رغبتك، ثم انصرف وتركني" (طبقات السلمي(29 - 31 ) ) .

وبمثل هذه القصص التي تمتلئ بها كتب الصوفية ويرمون منها إلى عدة أمور من أهمها: أن هناك طريقًا للهداية هو طريق الهواتف، وأن هذه الهداية تحمل الإنسان على ترك الدنيا، وترك الآباء والأمهات والدخول إلى البراري والقفار، وأن المهتدي على هذا النحو يرى الأنبياء ويتكلم معهم، ويأكل من الغيب لا من الشهادة، وأن الخضر عليه السلام خادم لاسم الله الأعظم، هذا الإسم الذي يتعاظم على العارف أن ينطق به، وأن هذا الطريق الذي يلج فيه الصوفي يتصل به بالسماء فيتعلم العلوم، وأن هذا الطريق هو المنهج

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت