تنافسوها، وتُهلككم كما أهلكتهم )) [وفي لفظ: (( وتُلهيكم كما ألهتهم ) )] [1] ، قال الحافظ ابن حجر - رحمه الله - في فوائد هذا الحديث: (( وفيه أن المنافسة في الدنيا قد تجر إلى هلاك الدين ) ) [2] ، (( لأن المال مرغوب فيه فترتاح النفس لطلبه، فتمنع منه، فتقع العداوة المقتضية للمقاتلة، المفضية إلى الهلاك ) ) [3] ، وقوله - صلى الله عليه وسلم: (( وتُلهيكم كما ألهتهم ) )، دليل على أن الانشغال بالدنيا فتنة، قال الإمام القرطبي - رحمه الله: (( تُلهيكم ) )أي تشغلكم عن أمور دينكم وعن الاستعداد
لآخرتكم [4] ، كما قال الله - عز وجل: {أَلْهَاكُمُ التَّكّاثُرُ*حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ} [5] .
وهذا يؤكد للمسلم أن التنافس في الدنيا والانشغال بها شر وخطر؛ ولهذا قال - صلى الله عليه وسلم: (( إن أكثر ما أخاف عليكم ما يُخرج الله لكم من بركات الأرض ) )، قيل: وما بركات الأرض؟ قال: (( زهرة الدنيا ) )، ثم قال: (( إن هذا المال خَضِرة حلوة ... من أخذه بحقه ووضعه في حقه فنعم المعونة هو، ومن أخذه بغير حقه كان كالذي يأكل ولا يشبع [ويكون عليه شهيداً يوم القيامة] ) ) [6] .
وعن قيس بن حازم قال: دخلنا على خباب - رضي الله عنه - نعوده، فقال: (( إن أصحابنا الذين سلفوا مضوا ولم تنقصهم الدنيا، وإنا أصبنا ما لا نجد له موضعاً إلا التراب، ولولا أن النبي - صلى الله عليه وسلم - نهانا أن ندعو بالموت لدعوتُ به ) )، ثم أتيناه مرة أخرى وهو يبني حائطاً له فقال: (( إن المسلم يؤجر في كل
(1) متفق عليه: البخاري، برقم 6427، ومسلم، برقم 1052، ويأتي تخريجه في فضائل الصبر والاحتساب على المصائب في الأمر الثامن عشر: العلم بأن الدنيا فانية وزائلة.
(2) فتح الباري بشرح صحيح البخاري، 6/ 363.
(3) المرجع السابق، 11/ 245.
(4) المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم، 7/ 133.
(5) سورة التكاثر، الآيتان: 1، 2.
(6) متفق عليه من حديث أبي سعيد الخدري - رضي الله عنه: البخاري، كتاب الرقاق، باب ما يحذر من زهرة الدنيا والتنافس فيها، 7/ 222، برقم 6427، ومسلم، كتاب الزكاة، باب تخوف ما يخرج من زهرة الدنيا، 2/ 727، برقم 1052، وما بين المعقوفين من رواية مسلم.