لم يرجع إلى أمر لا يحتمل لم يصح التفرقة بين المحكم والمتشابه» فالكلمات لا تحدد معانيها تحديدا منضبطا لأن كل كلمة فيها تحتمل غير ما وضعت له، وبهذا تتحدد وظيفة معاجم اللغة وقواميسها في نظر المعتزلة.
وهذا الفهم لطبيعة اللغة منحهم حرية طليقة في توجيه وصرف الألفاظ إلى معان غير معانيها القريبة والاجتهاد في سوق الأدلة اللغوية والأدبية على هذه المعانى فالاضلال في قوله تعالى: { «يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ» } [121] ليس المراد به الصرف عن الهداية كما يتبادر إلى الذهن عند الاستعمال، لأن هذا المعنى يعارض قضية عقلية وهى تنزيه الله سبحانه عن ذلك فوجب أن يراد بالاضلال معنى آخر كالعقوبة، وقد استعمل اللفظ في هذا المعنى كقوله تعالى: { «أَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ» } [122] أى أبطلها، وابطال الأعمال عقوبة للعاملين، وكقوله تعالى: { «وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ» } [123] أى يعاقبهم، وقوله تعالى: { «إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي ضَلَالٍ وَسُعُرٍ» } [124] أى في عقوبة ونار [125] .
{ «وَطَبَعَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ» } [126] ليس معناه الحيلولة بينها وبين الايمان لأن هذا المعنى يرفضه العقل وصفا للمولى سبحانه ودلالة اللفظ على هذا المعنى ليست ضربة لازب ومن هنا يمكن أن نقول: ان المعنى كتب في قلوبهم كتابة يعرف بها كفرهم كما قال تعالى: { «يُعْرَفُ الْمُجْرِمُونَ بِسِيمَاهُمْ» } [127] وكما قال في وصف المؤمنين: { «كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ» } [128] وهذا أشبه بكلام العرب لأن الطبع عندهم يستعمل في الكتابة على الخواتيم والدراهم والدنانير [129] .
(121) الرعد: 27
(122) محمد: 1
(123) إبراهيم: 27
(124) القمر: 47
(125) المخطوطة ورقة 136.
(126) التوبة: 93
(127) الرحمن: 41
(128) المجادلة: 22
(129) ينظر كتاب الرد على الجبريّة القدرية فيما تعلقوا به من متشابه آى القرآن الكريم تأليف القاضى ابن عمرو أحمد بن محمد الخلال من علماء القرن الرابع، والكتاب مخطوط بمكتبة الجامع الكبير بصنعاء رقم (71تفسير) ومصور بدار الكتب ميكروفيلم رقم (117تفسير) .