فهرس الكتاب

الصفحة 124 من 744

والذين كتبوا في تاريخ البلاغة قد خلطوا بين أنواع ثلاثة من التاريخ كان ينبغى الفصل بينها، هى تاريخ الفنون، وتاريخ المؤلفات، وتاريخ الرجال، وقد أشار إلى منهج الكتابة التاريخية في البلاغة المرحوم الأستاذ أمين الخولى، وبين ضرورة الفصل بين هذه الطرق.

ثم ان أكثر هذه الكتب التى عنيت بتاريخ البلاغة لم تعد أن تكون فهارس مبسوطة لما أثير في كتب البلاغيين من المسائل والقضايا.

وأول هذه الأصول التى نشير اليها مسألة النظم التى عقدنا لها فصلا في بحث بلاغة الكشاف.

وفكرة النظم معروفة في محيط المشتغلين بمسألة الاعجاز اذ أنها وليدة الدراسة في هذا الباب، ولم أعرف كتابا من كتب البلاغة التى تناولت شئون الأدب والشعر قد ذكرت هذه الفكرة، أو أضافت اليها شيئا، وان كانوا قد أشاروا إلى مباحث تتفرع عنها مما سوف نشير اليه. ومثل النظم في هذا قليل من البحوث البلاغية التى كانت وليدة النظر في كتاب الله مثل التكرار والفواصل والاستدراج وغير ذلك مما نبه البلاغيون إلى أنهم استنبطوه من كتاب الله. نعم قد كان الشعر من شواهد هذه الأصول، وكان الشعر أيضا مجالا لتطبيقها، وكانت مقياسا من مقاييس جودته، ولكن المهم أن الذى دفع إلى الخوض فيها لم يكن هو الشعر ولم يكن هو النثر وانما كان القرآن.

وقد عرف الجرجانى النظم بقوله: «واعلم أن ليس النظم الا أن تضع كلامك الوضع الذى يقتضيه علم النحو، وتعمل على قوانينه وأصوله، وتعرف مناهجه التى نهجت فلا تزيغ عنها، وتحفظ الرسوم التى رسمت لك فلا تخل بشيء منها، وذلك انا لا نعلم شيئا يبتغيه الناظم في نظمه غير أن ينظر في وجوه كل باب وفروقه، فينظر في الخبر إلى الوجوه التى تراها في قولك: زيد منطلق، وزيد ينطلق، ومنطلق زيد، وزيد المنطلق، والمنطلق زيد، وزيد هو المنطلق، وزيد هو منطلق، وفى الشرط والجزاء إلى الوجوه التى نراها في قولك: ان تخرج أخرج، وان خرجت خرجت، وان تخرج فأنا خارج، وأنا خارج ان خرجت،

وأنا ان خرجت خارج فتعرف لكل من ذلك موضعه، وتجىء به حيث ينبغى له، وتنظر في الحروف التى تشترك في معنى ثم ينفرد كل واحد منها بخصوصية في ذلك المعنى فيضع كلا من ذلك في خاص معناه» (2) . وهذا الأصل هو الذى دارت حوله دراسة الجرجانى في دلائل الاعجاز محاولا اثباته وبيانه، ورجوع المزية اليه، وكانت دراسة الفصل والوصل، والتقديم والتأخير، والحذف والذكر، فروعا تفرعت من هذا الأصل، وكذلك كانت دراسة الاستعارة، والكناية، وضروب المجاز فقد حاول أن يربطها بالنظم، وبين أنها عنه تحدث وبه تكون.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت