فهرس الكتاب

الصفحة 125 من 744

وقد عرف الجرجانى النظم بقوله: «واعلم أن ليس النظم الا أن تضع كلامك الوضع الذى يقتضيه علم النحو، وتعمل على قوانينه وأصوله، وتعرف مناهجه التى نهجت فلا تزيغ عنها، وتحفظ الرسوم التى رسمت لك فلا تخل بشيء منها، وذلك انا لا نعلم شيئا يبتغيه الناظم في نظمه غير أن ينظر في وجوه كل باب وفروقه، فينظر في الخبر إلى الوجوه التى تراها في قولك: زيد منطلق، وزيد ينطلق، ومنطلق زيد، وزيد المنطلق، والمنطلق زيد، وزيد هو المنطلق، وزيد هو منطلق، وفى الشرط والجزاء إلى الوجوه التى نراها في قولك: ان تخرج أخرج، وان خرجت خرجت، وان تخرج فأنا خارج، وأنا خارج ان خرجت،

وأنا ان خرجت خارج فتعرف لكل من ذلك موضعه، وتجىء به حيث ينبغى له، وتنظر في الحروف التى تشترك في معنى ثم ينفرد كل واحد منها بخصوصية في ذلك المعنى فيضع كلا من ذلك في خاص معناه» [2] . وهذا الأصل هو الذى دارت حوله دراسة الجرجانى في دلائل الاعجاز محاولا اثباته وبيانه، ورجوع المزية اليه، وكانت دراسة الفصل والوصل، والتقديم والتأخير، والحذف والذكر، فروعا تفرعت من هذا الأصل، وكذلك كانت دراسة الاستعارة، والكناية، وضروب المجاز فقد حاول أن يربطها بالنظم، وبين أنها عنه تحدث وبه تكون.

وفى ضوء هذا المقياس الجديد رفض ما قاله فريق من رجوع المزية إلى اللفظ، وما قاله آخرون من رجوع المزية إلى المعنى، وبين أنها لا ترجع الا إلى النظم بهذا المفهوم الذى حدده.

وحين ننظر في معنى النظم الذى ذكره القاضى أبو بكر محمد ابن الطيب عن أصحابه الأشاعرة في جملة وجوه الاعجاز يتضح لنا أنه نظم غير هذا النظم المذكور عند عبد القاهر، وأنه يعنى به طريقة الكلام وأسلوبه، فهو مقابل للشعر، والسجع، والكلام المرسل، وكان القرآن كما يقولون معجزا بنظمه أى بخروجه عن أصناف كلامهم وأساليب خطابهم، فهو خارج عن العادة، ومعجز بهذه الخصوصية التى ترجع إلى جملة القرآن وتحصل في جميعه [3] .

وقد تكلم للخطابى في النظم وذكر أنه «انما يقوم الكلام بهذه الأشياء الثلاثة: لفظ حامل، ومعنى به قائم، ورباط لهما ناظم.

واذا تأملت القرآن وجدت هذه الأمور منه في غاية الشرف والفضيلة، حتى لا ترى شيئا من الألفاظ أفصح، ولا أجزل، ولا أعذب من ألفاظه، ولا ترى نظما حسن تأليفا، وأشد تلاؤما وتشاكلا من نظمه [4] .

(2) دلائل الاعجاز ص 55.

(3) ينظر اعجاز القرآن للباقلانى ص 35.

(4) البيان في اعجاز القرآن للخطابى ضمن ثلاث رسائل في اعجاز القرآن ص 23.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت