فهرس الكتاب

الصفحة 128 من 744

يقول عبد الجبار: «اعلم أن الفصاحة لا تظهر في أفراد الكلام، وانما تظهر في الكلام بالضم على طريقة مخصوصة، ولا بد مع الضم من أن يكون لكل كلمة صفة، وقد يجوز في هذه الصفة أن تكون بالمواضعة التى تتناول الضم، وقد تكون بالاعراب الذى له مدخل فيه، وقد تكون بالموقع، وليس لهذه الأقسام الثلاثة رابع لأنه اما أن تفيد فيه الكلمة، أو حركاتها، أو موقعها، ولا بد من هذا الاعتبار في كل كلمة، ثم لا بد من اعتبار مثله في الكلمات إذا انضم بعضها إلى بعض» ، ثم يقول: «ان المعانى وان كان لا بد منها فلا تظهر فيها المزية وان كانت تظهر في الكلام لأجلها، ولذلك نجد المعبرين عن المعنى الواحد يكون أحدهما أفصح من الآخر والمعنى متفق، وقد يكون أحد المعنيين أحسن وأرفع والمعبر عنه في الفصاحة أدون فهو مما لا بد من اعتباره وان كانت المزية تظهر بغيره، على أنا نعلم أن المعانى لا يقع فيها تزايد، فاذن يجب أن يكون الذى يعتبر التزايد عند الألفاظ التى يعبر بها عنها، فاذا صحت هذه الجملة فالذى به تظهر المزية ليس الا الابدال الذى به تختص الكلمات، أو التقدم والتأخر الذى تختص الموقع. أو الحركات التى تختص الاعراب، فبذلك تقع المباينة ولا يمتنع في اللفظة الواحدة أن تكون إذا استعملت في معنى تكون أفصح منها إذا استعملت في غيره، وكذلك فيما إذا تغيرت

حركاتها فأما حسن النغم وعذوبة القول فمما يزيد الكلام حسنا على السمع لا أنه يوجد فضلا في الفصاحة» [7] .

وتتكرر في دراسة عبد القاهر كلمة «الضم» الواردة هنا، كما تتكرر كذلك كلمة «المزية» ، والنظر في الكلمة من حيث اعرابها وموقعها وابدالها جزء هام في دراسة عبد القاهر. وقول عبد الجبار: على أنا نعلم أن المعانى لا يقع فيها تزايد فاذن يجب أن يكون الذى يعتبر التزايد عند الألفاظ، من الكلام المشهور في دلائل الاعجاز.

وقول عبد الجبار: ولا يمتنع في الكلمة الواحدة أن تكون إذا استعملت في معنى تكون أفصح منها إذا استعملت في غيره، يقول مثله عبد القاهر: انك ترى الكلمة تروقك وتؤنسك في موضع ثم تراها بعينها تثقل عليك وتوحشك في موضع آخر [8] .

وقوله: فأما حسن النغم وعذوبة القول إلى آخره، مذهب مشهور لعبد القاهر الجرجانى وقد تنبه الأستاذ الدكتور شوقى ضيف إلى هذه العلاقة الوثيقة بين الكلامين فقال معلقا على بعض مما نقله عن القاضى عبد الجبار: «والمهم هو أن عبد الجبار يودع بين أيدينا الآن مفاتيح النغم التى استمد عبد القاهر من توقيعه عليها كتابه دلائل الاعجاز» .

وقد أشرت إلى أن مفهوم النظم في كلام أبى بكر محمد بن الطيب يختلف اختلافا كبيرا عن مفهومه عند عبد القاهر، ولست أدرى كيف فهم الأستاذ الفاضل عكس هذا حين قال: وحقا ان الباقلانى لم يستطع أن يبين عن شىء من هذا المعنى، ولكنه هو وأمثاله من الأشعرية انما كانوا يريدونه وعجزوا عن بيانه [9] .

وبهذا يتضح لنا أن حديث النظم له جذور ممتدة شهدناها قبل عبد القاهر عند الخطابى وها نحن أولاء نراها عند القاضى عبد الجبار

(7) المغنى ج 16ص 199، 200.

(8) دلائل الاعجاز ص 33

(9) البلاغة تطور وتاريخ ص 117.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت