بالله ربّك إن دخلت فقل لها ... هذا ابن هرمة قائما بالباب
ما كذا قلت، أكنت أتصدق؟ قال الرجل: فماذا؟ قام ابن هرمة واقفا، ثم قال له: «ليتك علمت ما بين هذين من قدر اللفظ والمعنى» .
وهذا القول دليل على أن معرفة مواقع الكلمات من أدق المباحث وأخفاها، وقد كثرت هذه الملاحظات القيمة في الدراسة الأدبية.
ثم كان الخطابى الذى جعلها عمود البلاغة في بيان اعجازه، وأشار إلى أن في الكلام ألفاظا متقاربة في المعانى يحسب أكثر الناس أنها متساوية في افادة بيان مراد الخطاب، كالعلم والمعرفة، والحمد والشكر، والقعود والجلوس إلى آخره. وأن عمود البلاغة هو وضع كل نوع من الألفاظ التى تشتمل عليها فصول الكلام موضعه الأخص الأشكل به الذى إذا بدل مكانه غيره جاء منه اما تبدل المعنى الذى يكون به فساد الكلام واما ذهاب الرونق الذى يكون معه سقوط البلاغة، ثم أخذ الخطابى يناقش الطاعنين في بلاغة القرآن، وكانت كثرة من مطاعنهم واردة على هذا الأساس، من ذلك استعمال الأكل مع الذئب في قوله تعالى: { «فَأَكَلَهُ الذِّئْبُ» } [10] ، والأنسب كما يقولون: افترسه الذئب، ومن ذلك استعمال «فاعلين» مع الزكاة في قوله تعالى: { «وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ» } [11] ، والأنسب أن يقول: مؤدون، إلى آخر ما ذكروه وما ذكره، وقد بين الخطابى ملاءمة هذه الكلمات لمواقعها، وكان في بيانه بصيرا متذوقا، وجهوده في هذا الباب من أدق وأجل ما كتب فيه.
ثم جاء بعده القاضى أبو بكر محمد بن الطيب الذى أشار إلى هذه المسألة المهمة في وضع الألفاظ، وبين أن الأمر فيها صعب، وأن رجالها قليل «وكيف لا يكون كذلك وأنت تحسب أن وضع الصبح في موضع الفجر يحسن في كل كلام الا أن يكون شعرا أو سجعا، وليس كذلك فان احدى اللفظتين قد تنفر في موضع وتزل عن مكان لا تزل عنه اللفظة الأخرى بل تتمكن فيه وتضرب بجرانها، وتراها في مظانها، وتجدها
(10) يوسف: 17
(11) المؤمنون: 4