فهرس الكتاب

الصفحة 14 من 744

أقول هذا ثم أذكر ما يقع في نفسى من حديث المناسبة لو أننا انتفعنا به في الدراسة الأدبية، وأول ما يتبادر إلى النفس منه هو البحث الذى يكشف المناسبة بين العناصر المكونة للقصيدة من صور ورموز وصيغ وخواطر وأحوال، وقد ذكروا أن عمود البحث في المناسبة «أو الأمر الكلى المفيد لعرفان مناسبات الآيات في جميع القرآن هو أنك تنظر الغرض الذى سيقت له السورة، وتنظر ما يحتاج اليه ذلك الغرض من المقدمات، وتنظر إلى مراتب تلك المقدمات في القرب والبعد من المطلوب، وتنظر عند انجرار الكلام في المقدمات إلى

ما يستتبعه من استشراف نفس السامع إلى الأحكام واللوازم التابعة التى تقتضى البلاغة شفاء الغليل، بدفع عناء الاستشراف إلى الوقوف عليها، فهذا هو الأمر الكلى المهيمن على حكم الربط بين جميع أجزاء القرآن، فاذا عقلته تبين لك وجه النظم مفصلا بين كل آية وآية في كل سورة».

والنظر هنا ينغل في جهات أربع:

الأولى: نظر في الغرض واستكشافه وتحديده، وليس هذا بالأمر الهين لأنه لا يظهر الا بفحص الكلام كلمة كلمة، وتركيبا تركيبا، وصورة صورة. وأن يكون نظره في ذلك نظر اليقظ الدراك الذى تهديه موهبته إلى اصابة المغزى وادراك المقصود.

والجهة الثانية: النظر في المقدمات. يعنى معرفة منازل المعانى ومراتبها في ضوء المعرفة الواضحة للغرض الذى انعقد عليه الكلام.

وبهذا نوضح المعنى الذى هو بمثابة الأصل، والمعنى الذى هو مهاد ووطاء، وهذا باب من النظر يحتاج إلى مراجعة وأناة، وأذكر لك قياسه في المعانى الجزئية، تقول: أقبل زيد ضاحكا. إذا كان رأس المعنى هو الاخبار باقباله، وكان الضحك تابعا لهذا الأصل، فاذا كان رأس المعنى هو الاخبار بضحكه قلت: ضحك زيد مقبلا، وهكذا ترى في الجملتين خبرين لا خبرا واحدا ولكن أحدهما رأس المعنى والثانى فرع له وتابع.

وتأمل كلام عبد القاهر في قول البحترى:

ولم أمدح لأرضيه بشعرى ... لئيما أن يكون أصاب مالا

ولماذا أعمل الفعل الأول «أمدح» في الاسم الظاهر، وأعمل الفعل الثانى «أرضى» في ضميره، وعبد القاهر يقول: لأن الفعل الأول هو الذى انعقد عليه المعنى اذ المقصود نفى أن يمدح اللئيم وقوله «لأرضيه» جاء تابعا للفعل الأول وملحقا به، وهكذا يقدم لنا البلاغيون نموذجا دقيقا للبحث في المعانى التى قصد قصدها والمعانى التى جاءت تابعة للمعنى الأول أو مقدمة له، وعلى هذا يقاس النظر إلى المقاصد الكلية ومقدماتها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت