والجهة الثالثة: أن تنظر إلى مراتب تلك المقدمات في القرب.
والبعد من المقصود، يعنى العلاقة بين المقدمة والمطلوب. ولا بد أن تكون المقدمات موشاة بتوشية تشير إلى المطلوب، وهذا في الشعر يفيد أن الحديث عن الطلل والرحلة والصاحبة في قصيدة المديح غير الحديث عن الطلل والرحلة في قصيدة الهجاء، ثم ان مدائح الملوك غير مدائح قواد الجيوش، ومدائح الكتاب والعلماء غير مدائح غيرهم، وهكذا وهذا يعنى أن الغرض في تحديده الدقيق لا يكفى أن يقال فيه هو مديح أو هجاء، وانما يتحدد المديح بصورة أدق، لأن لكل باب من أبواب المديح مداخله التى هى أشبه به، ولهذا تجد ذكر الصاحبة والرحلة والناقة في قصائد الأعشى التى يمدح بها قيس بن معد يكرب غير الصاحبة والرحلة والناقة في قصائده التى يمدح بها هوذة بن على، وهكذا.
والجهة الرابعة: هى النظر في حركة الكلام وكيف تثير في مسيرتها هواجس وأحوالا، وأشجانا، ترى الكلام يقف عندها ويتغلغل حتى يشبع أحوال الاستشراف هذه، وذلك وفاء لحق البلاغة كما قالوا، وهو جيد لأنه استكشاف حالة المجاذبة بين اللغة والنفس، وهى انما تكون في البنية الداخلية للغة حيث نرى البيان هناك يناغى النفس مناغاة الأم وليدها حين تستثير أشواق الطفل نحو شىء ثم تشبعها، ثم تستثيرها ثم تشبعها، وهكذا يتولد الحب وتكون الألفة بين السامع واللغة التى أثارت أشواقا وأشبعت رغائب، كل هذا وهى في طريقها نحو المقصود ثم هو مشروط بألا يخرج الكلام عن المقصود.
هذا نص من نصوص كثيرة جاءت في علم المناسبة، وفيه ما ترى.
وقد قلنا: اننا لا نطبق كل ما يقال في علوم القرآن تطبيقا حرفيا في دراسة الشعر، وانما نستلهم ونستضىء ونستخرج.
وهذا النص الذى شرحته فيه إشارة جيدة هى دراسة العلاقة بين مداخل المقاصد، والمقاصد نفسها، يعنى مقدمات القصائد وموضوعات
القصائد، وهذا باب من غوامض الشعر، وقد تجد عنصرا لغويا غريبا في بناء القصيدة، ويظل هذا العنصر ناتئا عندك لا تستسيغه ولا تستوعبه فيما استسغت واستوعبت من عناصر القصيدة حتى تقع على مناسبته الخفية لعناصر أخرى دخلت في بناء القصيدة.