فهرس الكتاب

الصفحة 16 من 744

وهذا النص الذى شرحته فيه إشارة جيدة هى دراسة العلاقة بين مداخل المقاصد، والمقاصد نفسها، يعنى مقدمات القصائد وموضوعات

القصائد، وهذا باب من غوامض الشعر، وقد تجد عنصرا لغويا غريبا في بناء القصيدة، ويظل هذا العنصر ناتئا عندك لا تستسيغه ولا تستوعبه فيما استسغت واستوعبت من عناصر القصيدة حتى تقع على مناسبته الخفية لعناصر أخرى دخلت في بناء القصيدة.

اقرأ قول الأعشى:

ودّع هريرة إنّ الركب مرتحل ... وهل تطيق وداعا أيّها الرّجل

غرّاء فرعاء مصقول عوارضها ... تمشى الهوينا كما يمشى الوجى الوحل

كأن مشيتها من بيت جارتها ... مرّ السّحابة لا ريث ولا عجل

وتأمل صورة مشى الوجى الوحل، بين هذه الصور تجدها صورة غريبة نافرة لا تلتئم مع ما حولها.

وتعجب كيف يرمى الأعشى بهذه الصورة الغريبة النافرة، وهو يصف محاسن هريرة ويتأنق فيها ويبالغ. انظر إلى أول البيت «غراء فرعاء مصقول عوارضها» وكيف تواترت الكلمات تصف النعمة، والصون، والنقاء، والصفاء، ثم كيف يرمى بها الكلام فجأة في الوحل، وهى موجوعة الأقدام، والوجى معناه رقة القدم أو الحافر من الحفى، وذلك يكون من طول السير على أرض غليظة خشنة ظالمة تأمل

وأصحابنا من حذاق البلاغة الحديثة والصورة الجديدة يذكرون أن مثل هذا من التشبيهات الحسية الجامدة التى تجاوزتها الصورة الحديثة، وأنها تخلو من المناسبة النفسية، وأن طرفيها يثيران في الحس شعورا متباينا، إلى آخر هذه «التعويذة» الجديدة التى ينزلون برقاها آبدات المعانى من سماوات الالهام.

والأعشى له من البصر بالشعر ما يعصمه من مثل هذا الاختلال، وخاصة في مطلع قصيدة هى من أجود شعره، وفيها من دقائق الصنعة ما يعدل معلقته «ما بكاء الكبير بالأطلال» حتى انها تذكر دونها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت