فهرس الكتاب

الصفحة 17 من 744

ولهذا لا نرمى الرجل بما يرميه به هذا الفقه الجديد في بلاغة الكلام.

ونقول هذا ونعلم علما أن هذه البلاغة الحديثة مستبدة طاغية مثل كبرائنا، وأن الذى يتشبث بما هو مقتنع به من علم العلماء، ولم يطأطىء رأسه اجلالا لها لا بد أن يضرب منها أو من صبيانها بسياط التخلف والجمود والجهل إلى آخره، حتى لتكاد تدفنه حيا ملفوفا في كتبه وملازمه الصفراء كما يفعل كبراؤنا مع رجالنا الذين يقولون لهم «لا» أو يتأخرون قليلا في القول «نعم» ، وهنا أيضا مناسبة لطيفة لأن الثقافة الغالبة في عهد الطواغيت لا بد أن تكون فيها نفثة من نفثات الطاغوت. ودع هذا وعد إلى أبى بصير، ولأزيدك احساسا بغرابته وغموضه تأمل البيت الذى يليه:

كأنّ مشيتها من بيت جارتها ... مرّ السّحابة، لا ريث ولا عجل

المراد أيضا وصف لين مشيتها وبطئها، ثم انظر كيف ارتقى بها إلى السماء وجعلها سحابة تمر مرا لا ريث فيه ولا عجل، وأى شىء أشبه بالمرأة من السحابة التى فيها الوفر، والسخاوة، والرى والانبات، والخصب، مع أن أول البيت أنها خرجت من بيت جارتها، وهذا بخلاف أول البيت الذى قبله «غراء فرعاء مصقول عوارضها» وكل هذا يلح على أن «الوجى الوحل» فيه رمز إلى شىء مهم، لأنه ترك هريرة ونافرها منافرة ظاهرة والكلام قبله متآلف معها تآلفا ظاهرا والكلام بعده كذلك.

وهذا العنصر اللغوى الشارد متناسب تناسبا ظاهرا مع صورة ذكرت بعد ثلاثة وأربعين بيتا كانت مزيجا غنائيا رائعا، ترى فيه الصبوة المتوهجة تطل منها أحيانا الصورة العارية ذات الشهوة، والتى تصف ذروة الاقتدار والتمكن، وكأنها رمز إلى قمة التحدى والمواجهة وفرس عنق الخصم، ولهذا نرى صور العراء المفحش في قصائد الهجاء وكأنها مظهر التوقح والطعن والقهر والسحق، ومقدمة رامزة إلى فحش القول.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت