الكسائى مشهورة، وفيها كان أعراب البادية حكما في مسألة الخلاف، ولا تهمنا نزاهتهم في الحكم وعدمها، وانما المهم أنهم كانوا أصحاب سليقة يستشهد بها النحاة.
والنحاة بعد سيبويه يقولون: «ان الاستفهام يقتضى الفعل ويطلبه، وذلك من قبل أن الاستفهام في الحقيقة انما هو عن الفعل، لأنك انما تستفهم عما تشك فيه وتجهل علمه، والشك انما وقع في الفعل، وأما الاسم فمعلوم عندك» [38] .
ولا نسلم لهم بهذا لأن السائل قد يكون شاكا في الفاعل وغير شاك في الفعل كما في قوله تعالى: { «أَأَنْتَ فَعَلْتَ هَذَا بِآلِهَتِنَا يَا إِبْرَاهِيمُ» } [39] ، والاستفهام هنا حقيقى على رأى الخطيب وتقريرى على رأى الشيخين عبد القاهر والسكاكى، وقد اشترطوا في التقريرى أن يلى المقرر به الهمزة.
ثم يقول ابن يعيش: «واذا كان حرف الاستفهام انما دخل للفعل لا للاسم كان الاختيار أن يليه الفعل الذى دخل من أجله، واذا وقع الاسم بعد حرف الاستفهام وكان بعده فعل، فالاختيار أن يكون مرتفعا بفعل مضمر دل عليه الظاهر، لأنه إذا اجتمع الاسم والفعل كان حمله على الأصل أولى، وذلك نحو قولك: أزيد قام؟ ورفعه بالابتداء جيد حسن لا قبح فيه، لأن الاستفهام يدخل على المبتدأ والخبر، وأبو الحسن الأخفش يختار أن يكون مرتفعا بالابتداء، لأن الاستفهام يقع بعده المبتدأ والخبر كما ذكرناه، ولا يفتقر إلى تكلف تقدير محذوف» (نفس المرجع السابق) .
وهذا الكلام الذى نقلناه من شرح المفصل يتعارض مع الجرجانى حين يفترض أن السؤال لا يكون الا عن الفعل. ويختلف مع سيبويه حين يرى أن الاختيار تقدير فعل قبل الاسم الداخل عليه حرف الاستفهام،
(38) شرح المفصل لابن يعيش ج 1ص 81.
(39) الأنبياء: 62