فهرس الكتاب

الصفحة 140 من 744

والشواهد التى ذكرناها تنم عن ذوق بصير قادر، وقد خالف عبد القاهر سيبويه في أصل مهم يتضمنه هذا النص، ذلك أن الجرجانى يرى أن قولنا: ألقيت زيدا أم عمرا؟ خطأ، وهو جائز حسن عند سيبويه، وقد نقل الدمامينى هذا الرأى عن سيبويه وقال: ومثله في مقرب ابن عصفور، وقد علق على هذا الشيخ الانبابى رحمه الله بقوله: ان كان مراده يعنى الدمامينى مجرد بيان طريقة النحاة فالأمر ظاهر، وان كان مراده معارضة كلام المصنف بكلامهم ففيه أنه لا يعترض بمذهب، لأنه قد يكون الأحسن عند النحوى واجبا عند البليغ، على أنه يمكن حمل كلام المصنف على الأحسنية [37] .

ولا أستطيع أن أفهم كلام الجرجانى على نفى الأحسنية، كما لا أستطيع أن أعتبر هذا من الواجب البلاغى الذى هو من الحسن النحوى كما ذكر الانبابى رحمه الله، لأن عبارة عبد القاهر صريحة في أن هذا الأسلوب فاسد وخطأ وخارج عن كلام الناس وغير ذلك مما يدل صراحة على البطلان لا على نفى الأحسنية. وان كان لم ينص على هذه الصورة بعينها ولكن الأصول التى راعاها في هذا الباب صريحة في بطلانها وفسادها، فالحكم في المسألة حكم صحة وخطأ وليس حكم حسن وأحسن، والفصل في هذه المسألة لا يكون بقوة الحجة وقدرة الجدل وانما الحكم فيها لواقع اللغة هل ورد مثله عن العرب أم لم يرد؟ والجرجانى يبنى رفضه على أساس أن المسئول عنه هو ما يلى الهمزة، فوجب أن يكون المعادل ل «أم» هو ما يليها حتى لا يتناقض الكلام.

ولا أشك في أن سيبويه من أفقه الناس لأسرار هذه اللغة كما أنه من النحاة الأوائل الذين شافهوا الأعراب وأخذوا عنهم. وقصته مع

(37) حاشية تجريد البنانى مع تقرير الشمس الانبابى ج 3 ص 114

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت