المفسرين قد يذكرون من معانى هذه الأدوات ما لا يرضى عنه اللغويون، وعرض صورا وحللها، وهو في عرضه وتحليله كأنه يلهم عبد القاهر الجرجانى في هذا الباب.
يقول أبو بشر: «ومن خطئه قوله:
رضيت وهل أرضى إذا كان مسخطى
من الأمر ما فيه رضى من له الأمر
فمعنى «هل» في البيت التقرير، والتقرير على ضربين: تقرير للمخاطب على فعل قد مضى ووقع، أو على فعل هو في الحال ليوجب المقرر ذلك ويحققه، ويقتضى من المخاطب في الجواب الاعتراف به نحو قوله: هل أكرمتك؟ هل أحسنت اليك؟ هل أودك وأوثرك؟ وهل أقضى حاجتك؟. وتقرير على فعل يدفعه المقرر وينفى أن يكون قد وقع نحو قوله: هل كان قط اليك شىء كرهته؟ هل عرفت منى غير الجميل؟
فقوله في البيت «وهل أرضى» تقرير لفصل ينفيه عن نفسه وهو الرضا كما يقول القائل: وهل يمكننى المقام على هذه الحال؟، أى لا يمكننى، وهل يصبر الحر على الذل؟ وهل يروى زيد أو هل يشبع عمرو؟ وهذه أفعال معناها النفى، فقوله «وهل أرضى» انما هو نفى للرضا فصار المعنى:
ولست أرضى إذا كان الذى يسخطنى ما فيه رضا من له الأمر أى رضا الله تعالى وهذا خطأ منه فاحش.
فان قال قائل: فلم لا يكون قوله «وهل أرضى» تقريرا على فعل هو في الحال ليؤكده من نفسه نحو قوله: هل أودك؟ هل أوثرك؟
ونحو قول الشاعر:
هل أكرم مثوى الضيف إن جاء طارقا
وأبذل معروفى له دون منكرى
قيل له: ليس قول القائل لمن يخاطبه: هل أودك؟ هل أوثرك؟ وقوله:
سل عنى هل أصلح للخير؟ أو هل أكتم السر؟ أو هل أقنع بالميسور؟ مثل
قول أبى تمام: هل رضيت؟ وهل أرضى؟ فان صيغة هذا الكلام دالة على أنه قد نفى الرضا عن نفسه بادخاله الواو على «هل» وانما يشبه هذا قول القائل: وهل أرضى إذا كانت أفعالك كذا؟ وهل أصلح للخير عندك إذا كنت تعتقد غير ذلك؟ وهل ينفع في يد العتاب؟ كقول الشاعر: