فهرس الكتاب
فأراد أن يقول: والعيش خير في ظلال النوك من العيش بكد في ظلال العقل، فترك شيئا [104] .
وقد نجد في محيط الدراسات القرآنية اشارات إلى بلاغة الحذف وأسباب تأثيره فالباقلانى يذكر أن الايجاز قسم من أقسام عشرة ذكرها بعضهم للبلاغة، ثم يقسم الايجاز قسمين: الحذف والقصر.
ثم يقول: فالحذف اسقاط للتخفيف كقوله تعالى: { «وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ» } وقوله: { «طَاعَةٌ وَقَوْلٌ مَعْرُوفٌ» } [105] . وحذف الجواب كقوله: { «وَلَوْ أَنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الْأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتى» } [106] كأنه قيل: لكان هذا القرآن، والحذف أبلغ من الذكر لأن النفس تذهب كل مذهب في القصد من الجواب [107] .
ويقول الشريف المرتضى في أماليه: وفى القرآن من الحذوف العجيبة والاختصارات الفصيحة ما لا يوجد في شىء من الكلام، من ذلك قوله تعالى في قصة يوسف عليه السلام والناجى من صاحبه في السجن ورؤيا الملك البقر السمان والعجاف: { «أَنَا أُنَبِّئُكُمْ بِتَأْوِيلِهِ فَأَرْسِلُونِ. يُوسُفُ أَيُّهَا الصِّدِّيقُ أَفْتِنَا» } [108] ولو بسط الكلام فأورد محذوفه لقال: أنا أنبئكم بتأويله فأرسلون ففعلوا فأتى يوسف فقال يا يوسف أيها الصديق، ومثله قوله في سورة الأنعام: { «قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ، وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ» } [109] أى: وقيل لى ولا تكونن من المشركين، وكذلك قوله تعالى في قصة سليمان عليه الصلاة والسلام:
{ «وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ غُدُوُّهَا شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ» } إلى قوله تعالى: { «اعْمَلُوا آلَ دَاوُدَ شُكْرًا» } [110] أى وقيل لهم: اعملوا آل داود شكرا [111] .
وكان ابن قتيبة يسير على طريقة النحاة في بيان المحذوف
(104) نقد الشعر ص 245
(105) محمد: 21
(106) الرعد: 31
(107) اعجاز القرآن ص 161
(108) يوسف: 45، 46
(109) الأنعام: 14
(110) سبأ: 1312
(111) أمالي المرتضى ج 3ص 157