ثم يذكر القاضى رأى شيخه في تكرار قصص الأنبياء، وأن ذلك لنزول القرآن مفرقا على رسول الله صلّى الله عليه وسلم في ثلاث وعشرين سنة، وأن الرسول عليه الصلاة والسلام كان يضيق صدره من الأمور العارضة له من الكفار والمعارضين فكان في حاجة إلى تثبيت الفؤاد حالا بعد حال، فكانت حكايات أخبار المتقدمين تتنزل حسب هذه الأحوال، وتتكرر بتكرار المواقف، وثمة فرض آخر، هو أن يعرف أرباب الفصاحة عند تأمل هذه القصص التى تعاد صياغتها مرة بعد مرة منزلة القرآن من الفصاحة، لأن بلاغة القصص المتكرر أدخل في باب الاعجاز من القصص المتغايرة، وثمة غرض ثالث وهو حاجة المسلمين إلى تكرار المواعظ والقرآن في هذا كالواعظ والخطيب الذى يكرر مواعظه وعبره ايقاظا للنفوس والتأثير فيها.
أما التكرار في سورة الرحمن فان القاضى يروى عن شيخه أبى على القول بنفى التكرار فيها، وذلك لاختلاف الغرض في كل مرة، وسوف نجد صدى هذا الرأى عند الامام الزمخشرى، قال القاضى:
قال أبو على: فأما ما يكون في سورة الرحمن في قوله تعالى: { «فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ» } فليس بتكرار لأنه ذكر نعما بعد نعم وعطف كل نعمة من ذلك بهذا القول فكأنه قال: فبأى آلاء ربكما التى ذكرتها تكذبان، وانما عنى بالتثنية الجن والانس، ثم أجرى الخطاب على هذا الحد في نعمة نعمة وعنى بكل قول غير ما عناه بالقول الأول وان كان اللفظ متماثلا وهذا كقول القائل لمن ينهاه عن قتل المسلم وظلمه ويزجره عن ذلك: أتقتل زيدا وأنت تعرف فضله؟ أتقتل عمرا وأنت تعرف صلاحه؟
ويكرر ذلك فيكون حسنا ولا يعد تكرارا، ولو أن أحدنا عظمت نعمه على ولده وآره آخذا في طريق العقوق لحسن أن يقبل عليه فيقول:
أتغضبنى في كذا وقد أنعمت عليك؟ أتغضبني في كذا وقد أنعمت عليك؟
فيكون تكرار ذلك أبلغ في المراد حتى لو حذفه لنقص الغرض في هذا الباب ولم يكن بمنزلته» [135] .
(135) المغنى ج 16ص 398، 399.