فهرس الكتاب
بديئا من ظاهر لفظ «القوم» ، ولو أنه لم يكن فهم الشمول من لفظ «القوم» ولا كان هو من موجبه لم يكن «كل» تأكيدا ولكان الشمول مستفادا من «كل» ابتداء، وأما للوجه الثالث الذى هو فيه شبيه بالصفة: فهو أنه إذا نفى أن يكون بشرا فقد أثبت له جنس سواه، اذ من المحال أن يخرج من جنس البشر ثم لا يدخل في جنس آخر، واذا كان الأمر كذلك كان اثباته ملكا تبيينا وتعيينا لذلك الجنس الذى أريد ادخاله فيه» [180] .
ثم يتكلم عبد القاهر في ترك العطف في الجملة التى يكون حالها مع التى قبلها حال ما يعطف ويقرن إلى ما قبله، وانما وجب فيها ترك العطف لأنه قد عرض ما يوجب ذلك ويذكر قوله تعالى: { «اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ» } [181] والظاهر أن يعطف على قوله تعالى: { «إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِؤُنَ» } [182] وهو في هذا نظير قوله تعالى:
{ «يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ» } [183] ، { «وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ» } ، [184]
وما أشبه ذلك مما يرد فيه العجز على الصدر، وانما ترك العطف هنا لأن قوله: { «إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِؤُنَ» } حكاية عنهم وقوله: { «اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ» } خبر عن الله والعطف حينئذ يمتنع لاستحالة أن يكون الذى هو خبر عن الله تعالى معطوفا على ما هو حكاية عنهم [185] .
ثم ذكر قوله تعالى: { «وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ. أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِنْ لَا يَشْعُرُونَ» } [186]
وبين أن العلة في امتناع عطف { «إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ» } على قوله: { «إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ» } هو ما ذكروه في الآية السابقة من كون أحدهما خبرا من الله تعالى والآخر حكاية عنهم.
(180) دلائل الاعجاز ص 150، 151
(181) البقرة: 15
(182) البقرة: 14
(183) النساء: 142
(184) آل عمران: 54
(185) دلائل الاعجاز ص 152
(186) البقرة: 11، 12