والذى أفهمه من كلام عبد القاهر هذا، أن وجه الشبه الحقيقى أى الذى تقع فيه الشركة بين الطرفين في التشبيه التمثيلى له مأخذان كما قرر عبد القاهر، فقد يؤخذ من الوصف الظاهر أى من وجه الشبه الظاهر كالحلاوة في هذا المثال، فانها وجه شبه ظاهر لأن ميل النفس الذى هو الوجه الحقيقى حكم لها ومقتضى، وقد يؤخذ من المشبه به مباشرة كانتزاع ميل النفس من العسل باعتبار وصفه بالحلاوة، فمعنى كلام عبد القاهر: وهذا حكم أى وميل النفس حكم واجب للحلاوة من حيث هى حلاوة لأنها وصف ظاهر للعسل ولا يوصف بها الكلام الا على طريق التأويل أو حكم واجب للعسل من حيث هو عسل موصوف بالحلاوة التى يلزمها ميل النفس.
ثم ذكر عبد القاهر للشبه الذى ينتزع من الصفة لأمر لا يرجع إلى الصفة قوله تعالى: { «كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا» } وبين أن الشبه لا ينتزع من الحمل وانما لا بد من مراعاة أمرين: الأول تعديه للأسفار، والثانى اقتران الجهل به، ومثل هذا قولهم: «أخذ القوس باريها» وقولهم: «ما زال يفتل منه في الذروة والغارب» وقولهم: «هو كالراقم على الماء» و «كالحادى وليس له بعير» و «كمبتغى الصيد في عرّيسة الأسد» ثم قال: وعلى الجملة فينبغى أن تعلم أن المثل الحقيقى والتشبيه الذى هو الأولى أن يسمى تمثيلا لبعده عن التشبيه الظاهر الصريح ما تجده لا يحصل لك الا من جملة من الكلام أو جملتين أو أكثر حتى أن التشبيه كلما كان أوغل في كونه عقليا محضا كانت الحاجة إلى الجملة أكثر.
ثم ذكر عبد القاهر قيمة التمثيل وأثره في توضيح المعنى وله في هذا كلام مشهور من ذلك قوله: «واعلم أنه مما اتفق العقلاء عليه أن
التشبيه والتمثيل والتقديم والتأخير ص 152تأليف المرحوم الشيخ عبد الهادى العدل.