يقف طويلا ليبين أنه مجاز من جهة العقل كما فعل في أسرار البلاغة، ولكنه انصرف إلى بيان قيمته البلاغية ووازن بينه وبين الأسلوب العادى في المعنى الذى جاء على طريقته، ثم أشار إلى أنه ليس بلازم أن يكون للفعل فيه فاعل في التقدير إذا أنت نقلت الفعل اليه عدت به إلى الحقيقة، وقد خالفه في هذا المتأخرون وأولهم ابن الخطيب الرازى، ثم أشار إلى أن المتكلم قد يحتاج في كثير من الأحيان إلى أن يهئ العبارة لهذا المجاز بشيء يتوخاه في النظم كما يفعل في المجاز اللغوى وضرب مثلا لذلك قول الشاعر:
تجوب له الظلماء عين كأنها ... زجاجة شرب غير ملأى ولا صفر
فقال: «تجوب له» وذكر هذا المتعلق ثم قال «عين» وقطعها عن الاضافة، ولو قال: تجوب له الظلماء عينه لم يكن بهذا الحسن.
ثم ذكر قول الخنساء:
ترتع ما غفلت حتى إذا ادّكرت ... فإنّما هى إقبال وإدبار
ثم علق عليه بقوله: واعلم أنه ليس بالوجه أن يعد هذا على الاطلاق معد ما حذف منه المضاف وأقيم المضاف اليه مقامه مثل قوله عز وجل: { «وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ» } ، وان كنا نراهم يذكرونه حيث يذكرون حذف المضاف ويقولون: انه في تقدير «فانما هى ذات اقبال وادبار» ، ثم يقول في تعليل منع تقدير المضاف: «لأنا إذا جعلنا المعنى فيه الآن كالمعنى إذا نحن قلنا «فانما هى ذات اقبال وادبار» أفسدنا الشعر على أنفسنا وخرجنا إلى شىء مغسول والى كلام عامى مرذول» [267] ، وبهذا يكون عبد القاهر قد وضع أصول هذا الباب.
ويقول الأستاذ الدكتور شوقى ضيف: والذى لا شك فيه أنه يعد مكتشف المجاز الحكمى في مثل «أنبت الربيع البقل» وهو مجاز لا في الكلمات وانما في الاسناد، ولذلك سماه مجازا حكيما أو عقليا، ثم لاحظ الأستاذ الفاضل أن فكرة هذا المجاز لم تكن قد اتضحت تماما في نفسه،
(267) ينظر دلائل الاعجاز ص 198191.