ولعله اندفع في ذلك بعامل محاولته أن يرد كل شىء في جمال النظم إلى العقل، ثم قال: وانما يدفعنا إلى هذا القول أننا نجده يدخل في المجاز الحكمى أو الاسنادى قولهم عن بعض الابل في الرعى: «انما هى اقبال وادبار» وأنشد منه أيضا قول المتنبى:
بدت قمرا ومالت خوط بان ... وفاحت عنبرا ورنت غزالا
وقد علق عليه بأنه ليس على تقدير مثل «قمر» ومثل «عنبر» و «غزال» وبذلك سلك البيت في المجاز الحكمى وهو من التشبيه البليغ، ويمضى فيجعل من الكناية نوعا يدخل في هذا المجاز الحكمى وهو الذى يأتى من اسناده لغيره كقول زياد الأعجم:
إن السّماحة والمروءة والنّدى ... في قبّة ضربت على ابن الحشرج
ويجعل من هذا الضرب قول الشّنفرى يصف امرأته بالعفة:
يبيت بمنجاة من اللّوم بيتها ... إذ ما بيوت بالملامة حلّت
فقد توصل إلى نفى اللوم عنها وابعادها عنه بأن نفاه عن بيتها وباعد بينها وبينه، والفرق بينه وبين زياد أنه ينفى وزياد يثبت، وقد سمى البلاغيون بعده هذا اللون باسم الكناية عن نسبة» [268] اهـ.
وهذا كلام غريب حتى حسبت أن هنا خطأ في الكتاب أو في ترتيب صفحاته فقد عهدت الأستاذ عافاه الله دقيقا في فهمه لكثير من مسائل هذه اللغة.
أما أن عبد القاهر مكتشف المجاز الحكمى فذلك غريب بدليل ما قدمناه من جهود السابقين على عبد القاهر ولو أتيح لنا أن نستقصى القول في بيان جهود أخرى لوضعنا يد القارئ على دراسة واعية لهذا الباب وخصوصا في محاولات المعتزلة الذين يهتمون بصرف الاسناد عن ظاهره إذا كان هذا الظاهر يوجب اثبات أفعال لله يرون أنها للعبد،
(268) البلاغة تطور وتاريخ ص 485.